.. دعونَا نَعُدْ بالزَّمن، أو هو يعودُ بنَا إلى ما قبل أكثر من خمسين عامًا تقريبًا. ففي العام 1395هـ، صدر الأمرُ بتأسيس الأندية الأدبيَّة في المملكة، وذلك على إثر لقاء بين الأمير فيصل بن فهد -رحمه الله-، ومجموعة من الأدباء، وأُلحقَت في ذلك الوقت بالرئاسة العامَّة لرعاية الشَّباب.
ثمَّ في عام 1426هـ، انفصلتْ من تبعيَّة الرئاسة العامَّة لرعاية الشَّباب، وأُلحقَت بوزارة الثقافة والإعلام، ثمَّ حين انفصلت الثقافة عن الإعلام في وزارة مستقلَّة، لحقت بها الأندية الأدبيَّة عام 1440هـ.
هذا هو التسلسل الزَّمني لمرجعيَّات الأندية الأدبيَّة..
*****
.. أمَّا عن الأثر، فتعدَّدت المرجعيَّات، وظلَّت الصُّروح في كلِّ أحوالها مشعَّةً، لعبت دورًا مهمًّا في الحركة الثقافيَّة السعوديَّة، أسهمت في إثراء ساحات الأدب السعوديِّ بمختلف مجالاته، وأبرزت أدباء ومثقَّفين سعوديِّين، وعملت على نطاق واسع في نشر الفعاليَّات الثقافيَّة المتنوِّعة، وفي إصدارات الكتاب السعوديِّ.
وقد ساعد الأندية على توهجها في ذلك الوقت؛ الفكرُ والمالُ والتفرُّدُ في عمقِنا المجتمعيِّ الثقافيِّ، وجيل في تلك المرحلة كان شغوفًا بالعلم والثقافة والأدب، ولهذا كانت الأروقة تنبضُ بالدفءِ وبالحياةِ..
*****
.. ثمَّ ماذا حدث؟!، داهمت المرحلة بكل متغيِّراتها الأندية الأدبيَّة، مثل ما داهمت المؤسَّسات الصحفيَّة، وما واجهته الصُّحف من نتائج كوارثيَّة، واجهته الأندية الأدبيَّة -(ولا تشكِي لِي وأبكِي لكَ)!!.
وعاشت الأندية بياتًا شتويًّا صعبًا، لم تستطع الخروج منه -بشكل مقنع- فنمطها التقليدي تجاوزته المرحلة.
ثمَّ عاشت على مدى سبع سنوات (1440هـ - 1447هـ) بياتًا شتويًّا مرادفًا؛ لأنَّ وزارة الثقافة جاءت بهويَّة وإستراتيجيَّة وطنيَّة ثقافيَّة مختلفة، ولا تدري ما المصيرُ..؟!
*****
.. في العام 2023م، أوقفت الوزارة الميزانيَّات السنويَّة للأندية الأدبيَّة، ثمَّ طلبت منهم التَّسجيل في المركز الوطنيِّ للقطاع غير الربحيِّ، ثمَّ في هذا العام تمَّ حلُّ مجالس الأندية الأدبيَّة، وتحويلها إلى جمعيَّات تتبعُ وزارة الموارد البشريَّة.
كم كنت أتمنى نظير مكانة الأندية وما قدمته، أن تكون هناك معالجات أخرى غير «الحل»، لتطوير الأندية؛ بما يتساير وتوجهات الوزارة وإستراتيجيتها، خصوصًا وأن لدى الوزارة هيئة أدب ونشر، وهناك مقاهٍ ثقافيَّةٌ تقوم بنفس الأدوار تقريبًا..!
*****
.. على الأندية (الجمعيَّات) أنْ تعيَ أنَّ المرحلة قد تغيَّرت مثلما تغيَّرت أسماؤها وأحوالُها.. عليها أنْ تغادر المحراب إلى الميدان، وأنْ تخلع عباءة النمطيَّة وتنتهج الهويَّة الثقافيَّة الشموليَّة، وفق إستراتيجيَّة وزارة الثقافة حتَّى تستطيع أنْ تسبر أغوار التَّغيير بنجاح، وتعيشه واقعًا في تفاعلاتها وحتى لا تظل تغرِّد خارج السرب...!
*****
.. أخيرًا.. التحوُّل ليس مجرَّد تجربة، والتغيير مطلب؛ لأنَّه يستهدف التجويد «فالأشياء لا تتحسَّن صدفة، بل بالتَّغيير»، وكذلك يستهدف «الانتقال من واقع قائم إلى رُؤية مأمولة».
ويظل كل ذلك مرهونًا بفكر وإرادة وإدارة ناجحة وواعية.


