أرادت امرأةٌ مسيحيَّةٌ من ولاية بنسلفانيا الأمريكيَّة، وهي مؤثِّرة في وسائل التَّواصل الاجتماعيِّ، أنْ تمتحن إنسانيَّة المجتمع من حولها، فأجرتْ تجربةً صغيرةً، لكنَّها كشفتْ لها أشياءَ كبيرةً، وتظاهرتْ أنَّها فقيرةٌ بلا مأوى (Homeless)، وما أكثر معدومِي المأوَى في أمريكا، ولديها طفلٌ رضيعٌ يحتاج لحليب الأطفال، واتَّصلتْ هاتفيًّا بـ٢٠ كنيسةً تطلب المساعدة، نعم ٢٠ كنيسةً، وكانت إجابات كلِّ الكنائس متطابقةً، وكأنَّها منسوخةٌ بالكربون:
(نعتذرُ لأنَّنا لسَنَا جهةَ دعمٍ مباشرٍ، ويمكنُ لكَ المحاولة فِي مكانٍ آخرَ، كمَا أنَّه ليسَ لدينَا صندوقٌ لمثلِ هذهِ الحالاتِ، ثمَّ إغلاق السمَّاعةِ في وجهِ المرأةِ)!.
٢٠ كنيسةً يا جماعة الخير؛ ممَّا تدقُّ نواقيسها كلَّ يوم أحد، وتزعمُ أنَّها تُوزِّع الحبَّ والسَّلامَ والتَّضحيةَ للبشريَّةِ جمعاء، قد رفضت شراء علبة حليب أطفال واحدة لامرأةٍ مسيحيَّةٍ، ربَّما لا يتجاوز سعرُها ١٠ دولارات، تطبعها أمريكا أحيانًا بلا غطاء من الذَّهب!.
واحتارتِ المرأةُ، فقرَّرت تجربةَ الاتِّصال بمسجدٍ يُشيعُ عنه الكثير من السُكَّان الأمريكيِّين هناك بأنَّه مقرٌّ إرهابيٌّ في المنطقة، وأنَّ المسلمِينَ يقتلُونَ الأطفالَ الرُضَّع حول العالم، وهم وحوشٌ بشريَّةٌ بلا شفقةٍ ولا إنسانيَّة، عكس إسرائيل المُدلَّلة التي فقط تدافعُ عن نفسِها وسطهم، ولا تقتلُ النساءَ، ولا الأطفالَ، ولا تُدمِّرُ المساكنَ، ولا تُهجِّرُ أحدًا، ولا تريدُ التوسُّعَ على حساب الشعوبِ المسلمةِ -يا حرام..!!- وهِي واحةُ السَّلام لكلِّ الأديان، خصوصًا الدِّين المسيحيَّ!.
فاتَّصلتْ، وفُوجئتْ أنَّ المسجدَ لم يسألها عن دِينها، ولا عَن وثيقةِ هويتها، ولا عن وثيقةِ إثباتِ فقرِها، ولا عَن شيءٍ، وإنَّما طلبَ منها فقطْ التوجُّه لمقرِّه ليعطيهَا المالَ المطلوبَ لشراء علبة حليب لطفلها الجَّائع، فشكرتهُ المرأةُ وأبلغتهُ أنَّها تجربةٌ صغيرةٌ أثبتتْ أنَّ مسجدًا واحدًا تفوَّق على ٢٠ كنيسةً؛ تفاعلًا مع عمل البرِّ وإنسانيًّا في مجتمعٍ رأسماليٍّ يزعمُ أنَّه رائدٌ لحقوق الإنسان!.
يُروَى عن عمر بن الخطَّاب -رَضِيَ اللهُ عنهُ-، أنَّه مرَّ بعجوزٍ يهوديٍّ فقيرٍ يتسوَّلُ من أهلِ المدينةِ عندَ الأبوابِ، فرَقَّ لهُ قلبُهُ، وقالَ عبارتهُ الخالدةَ (مَا أنْصفنَاكَ، أَكلَنَا شَبيبتَكَ، ثمَّ نتركُكَ في شيبتِكَ). فأخذهُ إلى بيتِ المالِ، وأمرَ أنْ يُعفَى من الجزيةِ، ويُوهبُ من بيتِ المالِ معَ فقراءِ المسلمِينَ، وكتبَ إلى عُمَّالهِ فِي كلِّ البُلدانِ التِي فتحهَا المسلمُونَ في عهدِهِ، ألَّا تُؤخذ الجزيةُ من أهل الكتابِ الفقراءِ، وأنْ يُجرَى عليهم مِن بيتِ المالِ ما يُغنيهِم، وهذَا هو الإسلامُ دينُ الرَّحمةِ بالمسلمِينَ وغيرِ المسلمِينَ، وهكذَا انتصرَ مسجدٌ علَى ٢٠ كنيسةً!.


