لعل الوشاية؛ هي واحدة من أكثر السلوكيات المدمّرة في البيئات الإنسانية، وبخاصة في مواقع العمل والمجتمع على حدٍّ سواء، لأنها تقوم على خيانة الثقة، وتوظيف الكلام كسلاح لتصفية الحسابات، أو تحقيق المكاسب الشخصية، وأصل الكلمة يرتبط بالفعل «وشى»، أي نقل الكلام بقصد الإضرار، وغالبًا ما تكون الوشاية خليطاً من نصف حقيقة ونصف كذب، تُقدَّم بطريقة خبيثة تُوهم السامع بالصدق، بينما الهدف الحقيقي هو إسقاط شخص، أو تشويه صورته، أو كسب رضا صاحب نفوذ.
الواشي عادةً لا يملك شجاعة المواجهة، ولا يكتفي بنقل معلومة، بل يصنع رواية، يختار كلماته بعناية ليُثير الشك ويزرع الفتنة، فيُحرّف المعاني ويُضيف التفاصيل ليجعل القصة أكثر إقناعًا، والواشي عادةً لا يملك شجاعة المواجهة، فيلجأ إلى الطرق غير المباشرة لتصفية حساباته، أو تلميع صورته، وينقل الأخبار بطريقةٍ مُنحَازة، يُضيف أو يحذف تفاصيل، ومن هنا تكمن خطورتها، لأن الوشاية لا تقتل بالسلاح، بل بالكلمة، وهي في كثير من الأحيان أشد فتكًا من الطعن، فكم من شخصٍ فقد وظيفته، أو سمعته، أو علاقته، بسبب وشاية خرجت من فم حاقد أو طامع.
أما في بيئات العمل، تنتشر الوشاية غالبًا حين تغيب العدالة، أو تضعف الثقة بين الزملاء، وتجد بعض الموظفين يستخدمونها كوسيلة للترقي أو لتقريب أنفسهم من المديرين، فينقلون الأخبار المغلوطة أو المبالغ فيها عن الآخرين، وفي المقابل، قد يقع بعض القادة الإداريين في الفخ، حين يفتحون آذانهم للواشين ويُصدّقونهم دون تحقُّق، وتُعد الوشاية تحديًا خطيرًا أمام القادة والمسؤولين، فبعض المديرين، من حيث لا يشعرون، يُشجِّعونها بشكلٍ غير مباشر؛ عندما يُظهرون اهتمامًا مفرطًا بمن ينقل لهم الأخبار، أو حين يُكافئون الواشي دون التحقُّق من صحة ما يقول، عندها تتحول المنظمة إلى شبكة من المراقبين غير الرسميين، ويُصبح الصمت أكثر أمانًا من التعبير، والمجاملة أكثر فائدة من الصراحة، وفي مثل هذه الأجواء، تفقد قيادة المنظمة أهم ركائزها «العدالة والثقة والشفافية»، وهنا تتآكل بيئة العمل من الداخل، ويحل الخوف محلّ التعاون، والشك محلّ الثقة، ومتى فُقِدَت الثقة داخل الفريق، انهار كل ما بُني من جهود، وبالتالي تؤدي إلى انخفاض الإنتاجية، وهروب الكفاءات، وظهور ثقافة الحذر المبالغ فيه، التي تُميت الإبداع والمبادرة. والوشاية أيضًا تكشف ضعف بعض الأنظمة، التي لا تنص صراحةً على آليات واضحة للتقييم والمحاسبة، حين يُترك الحكم على الأشخاص للأقاويل، بدلاً من الأدلة، فيصبح الباب مفتوحًا أمام الكذب والتلاعب، ولذلك فالمنظمات الناجحة تضع قنوات رسمية للإبلاغ عن الأخطاء أو المخالفات بطريقة مهنية، تضمن حماية المبلّغين الصادقين، وتمنع الواشين من استغلال هذه القنوات لتصفية الحسابات، وهناك فرق كبير بين الإبلاغ للمسؤول والوشاية، فالأول هدفه حماية المصلحة العامة، والثاني هدفه الإضرار بالآخرين.
لمحاربة الوشاية، لابد من ترسيخ ثقافة المصارحة والمكاشفة المباشرة، فحين تُتاح للموظفين فرصة التعبير عن آرائهم وملاحظاتهم بوضوح، تقل الحاجة للهمس واللمز والكواليس، كما أن المديرين عليهم واجب أن لا يصغوا إلى أي شكوى أو نقل كلام دون تحقُّق، وأن يُواجهوا الأطراف المعنية مباشرةً، فالقائد الحقيقي لا يُبنى قراره على الظنون، ولا يسمح لأحد أن يزرع الفتنة بين فريقه، ويستمع للجميع بعدل، ويتحقق من أي معلومة قبل اتخاذ أي موقف. (الوشاية لا تزدهر إلا في الظلام).


