لم يعد الطفل اليوم يلهُو بالدُّمى، ولا يركضُ في الحدائق، ولا يرسمُ ببراءته على جدران الطفولة صور الحياة الأولى. صار عالمه محصورًا في شاشةٍ صغيرةٍ، تُلقي عليه من الألوان ما يشاء، لكنَّها تسرق منه أثمن ما لا يُشترى: الوقت والعافية والقيم، وحتى الأخلاق والخيال.
أطفال الشاشة كائنات يافعة تعوَّدت التلقي السلبي، يجلسون متسمِّرين أمام ومضاتٍ لا تترك لهم فرصة أنْ يسألواـ أو يتأمَّلُوا، أو يبتكرُوا. إنَّهم يتغذُّون على صورٍ جاهزةٍ، وحكاياتٍ مصنَّعةٍ، ومؤثِّراتٍ تجذب العينَ، لكنَّها تخدِّر العقل. ولأنَّ الحياة صارت بين الأصابع اختياراتٍ عابرةً، يتنقَّل فيها المرءُ بضغطة زر، غاب معنى التجربة الحقيقيَّة التي تُنضج الإنسان وتُنمِّي مداركه.
ولعلَّ أخطر ما يترتَّب على هذا الإدمان، أنَّه ينهشُ في صحة رأس المال البشريِّ. فالأجيال التي يُعوَّل عليها لقيادة المستقبل، تُستنزف قواها المعرفيَّة والجسديَّة في مقاطع عابرة، وألعابٍ إلكترونيَّة لا تُسْمِنُ وَلَا تُغْنِي مِنْ جُوْعٍ. ضعف التركيز، تراجع التَّحصيل الدراسيِّ، ضمور المهارات الاجتماعيَّة، تآكل الصحَّة الجسديَّة، وغياب الإبداع الأصيل... كلُّها أثمان باهظة تدفعها المجتمعات حين يتركُون أبناءَهم أسرى شاشاتٍ تحوُّل الطفولةَ إلى انتظارٍ باردٍ.
إنَّنا أمام معركة خفيَّة، سلاحها وعي الأسرة والمربِّين، وميادينهَا أوقات الفراغ، ومساحات الطفولة. فإمَّا أنْ نصنعَ جيلًا يقود التقنية، ويستخدمها بوعيٍ وإبداعٍ، وإمَّا أنْ نستسلم لمشهدٍ حزينٍ، تُصبحُ فيه الشَّاشات الآمر النَّاهي والمربِّي والقُدوة، ويذوب فيه رأسُ المالِ البشريِّ، كما يذوبُ الملحُ في الماءِ.
فالطفولة التي تُسرَق خلفَ وهج الشَّاشات، هي في حقيقتها مستقبلٌ يُختَزلُ، وأمةٌ تَخسرُ كنزَهَا الأثمن دونَ أنْ تشعرَ.. فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟


