Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أحمد أسعد خليل

بناء السمعة.. والصورة الذهنية

A A
في زمننا هذا، ومع تسارع الأخبار وتشكُّل الانطباعات خلال ثوانٍ، لم تعد السمعة مجرَّد فكرة أو رفاهية، بل أصبحت أصلًا اقتصاديًّا حقيقيًّا، قادرًا على تعزيز أو تدمير أيِّ مؤسسة، سواء كانت شركة، منظَّمة، أو حتى شخصيَّات عامَّة.

فالسمعة الحقيقيَّة تُبنَى من أفعالك، وتجارب جمهورك؛ أكثر ممَّا تُبنى على الشعارات أو الحملات الإعلانيَّة، (تجربة العميل، جودة الخدمة، سرعة الاستجابة، وطريقة التعامل مع الموظَّفين) كلها عناصر تشكِّل الانطباع الحقيقي، أمَّا الإعلان عن نفسك، فلا يكفي لإقناع النَّاس إذا كانت التجربة سيئة.

السمعة تُكوَّن من ثلاثة محاور رئيسة:

1- السلوك الفعلي، ما يراه العملاء والعاملون من أفعالك يوميًّا.

2- رأي الآخرين، ما يقوله النَّاس عنك، سواء عبر الكلام المباشر، أو منصَّات التواصل.

3- التواصل المتعمد، الرسائل، البيانات الرسميَّة، المحتوى الإعلامي، والهويات البصريَّة.

وأيُّ خلل في هذه العناصر الثلاثة، ينعكس على السمعةِ مباشرةً. الكثير يركِّز على «كيف نبدو؟»، وينسى «من نحنُ حقًّا؟»، فالصورة الذهنيَّة ليست تزيينًا خارجيًّا، بل انعكاس للواقع الداخليِّ، وبيئة العمل، والإجراءات، والعدالة، والاحترام المتبادل، فالمؤسَّسات التي تهتم بثقافة عمل واضحة، تحقق سمعةً قويَّةً، والعكس صحيح.

الاتِّساق في الرسائل والسلوكيَّات هو العنصر الأكثر تأثيرًا في بناء الثِّقة، والمؤسَّسة التي تتناقض بين ما تقول، وما تفعل، تفقد مصداقيَّتها بسرعة، أمَّا الاتِّساق فهو الذي يمنح الجمهور الثِّقة، ويقوِّي مكانة المؤسَّسة، وقوَّة التواصل ليست بالصَّوت العالِي، بل بالمحتوى الهادف والمباشر، الرسائل القصيرة والواضحة، الردود المدروسة على الأزمات، والشفافية في الإعلان عن الخطط، كلها عوامل تجعل الجمهور يثقُ في المؤسسة أكثر، وقيادة المؤسَّسات تحدِّد مسار السمعة، فالقائد الصادق والمنضبط يرفع المؤسَّسة، بينما القيادة غير الأخلاقيَّة تهوي بها. والسمعة تبدأ من القمَّة وتنعكس على كل مستوى في المؤسَّسة، أمَّا اللَّحظات الصَّعبة فهي تكشف الحقيقة، المؤسَّسات التي تعترف بالأخطاء، وتوضِّح الإجراءات التصحيحيَّة، وتبقى شفَّافة، تبني سمعةً أقوَى بكثير من الحملات التسويقيَّة، والعملاء اليوم واعُونَ، ويُميِّزون بين الحقيقة والثرثرة، والسُّمعة الحقيقيَّة تأتي من الأداء الفعليِّ، والتجربة الملموسة، وصدقًا الإعلان وحده لا يكفي، والعالم اليوم أصبح يُعرِّف الشركات حسب قيمها، وليس بمنتجاتها فقط، والشركات التي تهمل الاستدامة اليوم، لا تخسر فقط سمعتها البيئيَّة، بل تفقد ثقة الجيل الذي سيقود السوق مستقبلًا.

السمعة ليست هدفًا مؤقتًا، بل مشروع مستمر، تحتاج متابعةً، تقييمًا، تطويرًا، وحمايةً دائمةً، وهي رأسمال لا يُرى بالمال، لكنه يمنح المؤسسة القوة والمصداقية والقدرة على الاستمرار والنمو.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store