فصيلةٌ بشريَّةٌ غريبةٌ، بدأت تتكاثرُ، لا تصنعُ مجدًا، ولا تحملُ فكرًا، ولا تُقيمُ للكرامةِ وزنًا، إنَّما تتقنُ فنَّ التزلُّف. تراهم ينثرُونَ المديحَ كما تُنثَر النِّفايات في الشَّوارع، تجدهُ دائمًا يزاحمُ الصفوفَ الأماميَّة، متأنِّقًا بـ»بشتِ الإطلالةِ» ونظرةٍ تفيض هيبةً، يلوكُ ذات الكلمات المستعملة، منذ أيام جرير والفرزدق، مع إضافات بسيطةٍ كـ»أيقونة التميُّز»، و»رجل المرحلة»، و»صاحب الفكر الوقَّاد»، سواء كان الممدوحُ قائدًا، أو وجيهًا، أو من سقط المتاع، أو حتَّى ضيفًا أضاعَ طريقه بالصُّدفةِ!
يمدحُونَ كلَّ مَن له مقعد، أو منبر، أو مأدبة، حتَّى لو كان لا يساوي في ميزانِ العقل جناحَ بعوضةٍ. يُسطِّرُونَ الخُطبَ الرنَّانة، والديباجات المصقولة، ولا يهمُّهم إنْ كانت المناسبة حفلَ زواجٍ، أو سرادقَ عزاءٍ، أو حتَّى افتتاح دورة مياه عامَّة... يكفي أنَّ المايك مفتوحٌ، والسناب «لايف». وحين تنظرُ في أرشيف بعضهم، تكتشف أنَّه قال عن سبعة أشخاص مختلفِينَ في أسبوع واحد أنَّهم «شمسٌ لا تغيبُ، ورمزٌ لا يُكرَّرُ، وقامةٌ من قاماتِ الزَّمن»، فمدحُهم بات نسخةً كربونيَّةً.. نفس الكلمات، نفس الأبيات الشعريَّة.. والمثير أنَّهم يمدحُون بلهفةِ مَن يعرفُونَ، ومَن لا يعرفُونَ، فلو وقفَ أحدُهم أمام سطل دهان لتغزَّل بلونِهِ، ونعته بـ»الرَّمزِ الشَّامخِ في مسيرة التَّنمية العمرانيَّة»؛ إكرامًا للعدسات والفلاشات.
هم صُنَّاع الوَهَمِ، وتجَّار الكلامِ، ومقاولُو المجاملةِ. يعتقدُونَ أنَّ الكلمة تُبَاع وتُشتَرى، وأنَّ النِّفاق سلَّمٌ يُفضِي إلى المنافع. تراهم في كل مناسبة يتسلَّقُونَ الكلمات، كما يتسلَّق الذبابُ أطرافَ الكؤوسِ، لا يريدُونَ حقًّا، ولا جمالًا، بل فتات دعوة، أو مقطع في منصَّة.
وليس في البشر أنكر من المادحِ الكَذُوبِ، الذي يُلبِسُ السوءَ ثوبَ الفضلِ، ويُشيعُ في النَّاس أنَّ الصِّفرَ رقمٌ من ذهبٍ. هؤلاء هُم الذين أُمرنَا أنْ نحثُوَ في وجوهِهِم التُّرابَ؛ لأنَّهم لوَّثُوا طهارةَ المديح، وأهانُوا قداسةَ الكلمة. المديحُ حين يُقَال لجديرٍ بهِ يصبحُ وسامًا، أمَّا إذا صُرفَ على غيرِ أهله، صارَ عارًا على قائلِهِ، ووبالًا على المجتمعِ الذي يصفِّقُ له. فكم من ساقطٍ رفعُوه بالتَّصفيق، وكم من عظيمٍ تجاهلُوه؛ لأنَّ جيبَه لا يفيضُ بعطاءٍ!
أولئك المصفِّقُون على أبواب الولائمِ، لا يُحبُّونَ الفضيلةَ، بل يعبدُونَ المنافعَ. تراهم كلَّ يوم في ثوبٍ جديدٍ، يميلُونَ حيث تميلُ الصحونُ، ويهتفُونَ باسم كلِّ طاعنٍ في العقل، ما دام يطعمهُم.
فمتَى تستيقظُ ضمائرُهم، ويكفُّونَ عن هذا الهُراءِ؟!


