من المفترض أنْ تكون جيرة المدارس داخل الأحياء نعمةً، إذ ما أعظم أنْ يكون المرؤ جارًا لصروحٍ تُعلِّم الأجيالَ، ما علَّمه اللهُ للإنسان بالقَلَم. لكنْ هناك سلبيَّات كثيرة لجيرة المدارس، ومنظومتنا الاجتماعيَّة أخفقت في معالجتها، فتراكمتْ حتَّى صارت عصيَّةً، وحوَّلت جيرة المدارس لنقمةٍ، بدلًا من النعمة المرجوَّة!.
ومن تلك السلبيَّات مواقف السيَّارات، فجيران المدارس يعانُونَ من بعد صلاة الفجر إلى ما بعد صلاة الظهر، ويروِي لي بعضُ جيران المدارس، أنَّهم يذهبُونَ أيام المدارس لصلاة الفجر في المساجد بسيَّاراتهم، ويعودُونَ لبيوتهم بعد شروق الشَّمس بقليل؛ ليجدُوا مواقف سيَّاراتهم مُحتلَّةً من منسوبي المدارس؛ لعدم توفُّر مواقف كافية لهم داخل أفنية المدارس، وافتقار الشوارع للمواقف الكافية، فيُضطَّرُونَ لإيقافها بعيدًا عن بيوتهم بعشرات أو مئات الأمتار، وعندما يحاولُونَ مناقشة المشكلة وديًّا مع المنسوبِينَ، يخبرهم هؤلاء الأخيرُون أنَّهم أصحابُ مهمِّة تعليميَّة سامية، وأنَّ تحمُّلهم أقرب للواجب الوطنيِّ، وهذا صحيحٌ، ولكنْ ما ذنبُ الجيران، لو كان فيهم مُسِنُّونَ، أو نساءٌ يحتاجون للمواقف بجانب بيوتهم، وليست بعيدةً عنها؟.
والخطأ الأساسُ في ذلك، يعود لتصميم مباني المدارس بلا مواقف كافية لمنسوبيها، كما تتحمَّل البلديَّات التي لم تُراعِ جودة التخطيط العمرانيِّ، وغفلت عن النموِّ السكَّانيِّ والخدمات اللوجستيَّة المطلوبة للمرافق العامَّة!. وحتَّى لو لم يخرج الجيران بسيَّاراتهم من بيوتهم، بمعنى أنَّها واقفة أمامها، فهم يعانُونَ من الفوضى المروريَّة خلال ساعتَي الحضور والانصراف، ومرور مئات السيَّارات التي يقودها السَّائقُونَ الأجانبُ، وأولياءُ الأمورِ، وقد يجدُونَ سيَّاراتهم مخدوشةَ الطِّلاءِ، أو مصدومةً، أو مكسورةَ المرايَا الجانبيَّة، والفاعلُ مجهولٌ ما لم تكن بيوتهم مُزوَّدة بكاميرات مراقبة!.
وإنْ سلمت سيَّارات الجيران من سيَّارات المنسوبِينَ والطُّلاب، فلن تسلم من الطُّلاب المُشاة المشاغبِينَ، خصوصًا عند الانصراف ممَّن يفحصُونَ مواهبهم وفنونهم الحركيَّة على هياكل سيَّارات الجيران، وهذه طامَّةٌ كُبْرَى!. ثمَّ هناك جرس الإعلان عن بداية دخول وقت الحصص الدراسيَّة وانتهائها، وبعض أنواعه على شكل رسالة صوتيَّة إذاعيَّة، ويبدو أنَّ إذاعتها ليست محصورةً داخل المدارس، بل خارجها كذلك إلى سابعِ جارٍ، فتُوقظ ربَّات بيوت الجيران، والأطفال، والمُسنِّينَ النَّائمِينَ، ممَّن صارُوا يحفظُونَ جداول الحصص من فرط ما يسمعُونَ إذاعة دخول وانتهاء البدايات والنهايات!.
وعُمَّال نظافة الشوارع الواقعة فيها المدارس، قد ينظِّفُونَها مرَّتَين، في الصباح، وبعد انصراف الطُّلاب الذين -هداهم الله- يلقُونَ النِّفايات دون اكتراثٍ بالنَّظافة التي يُفترَض أنْ يتعلَّمُونَها في المدارس، مثلما في بيوتهم، وأنَّ النظافة من حُسْن الإيمانِ. فمتى تشتركُ الجهاتُ التعليميَّةُ والبلديَّةُ والمروريَّةُ، كلٌّ فيما يخصُّها؛ لمعالجة السلبيَّات بشكل راقٍ؟ وإنقاذ جيرة المدارس من التوتُّر، وألَّا تكون مثل دورة تدريبيَّة في الصبر؛ ممَّا لا يقدر عليها، ولا يجتازها أيُّ جارٍ بنجاحٍ؟.


