Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. ساري بن محمد الزهراني

الجهل البسيط والمركَّب!!

سديم

A A
يقول الشاعر:

جَهولٌ جهلُهُ جَهلٌ مُركَّبٌ

بَدعَوى العِلمِ دُوْرَ النَّاسِ خُّرَّبْ

ويقول حمار الحكيم «توما»: متى ينصف الزَّمان فأَركب، فأنا جاهل بسيط، أمَّا صاحبي فجاهل مركَّب!

فقيل له: وما الفرق بين الجاهل البسيط والجاهل المركَّب؟

فقال: الجاهل البسيط هو من يعلم أنَّه جاهلٌ، أمَّا الجاهل المركَّب فهو مَن يجهل أنَّه جاهلٌ!

*****

يظن بعض الجهلة أنَّ الكاتب، أو الأديب، أو النَّاقد، أو الإعلامي، حينما يكتب عن قضيَّة من القضايا المجتمعيَّة، أو الأدبيَّة، أو النقديَّة، أو حتى الخدميَّة، إنَّما يكتب عنها من أجل هدفٍ شخصيٍّ، أو مأربٍ نفسيٍّ، أو غايةٍ من الغايات كضرب من ضروب التَّسلية والتَّلهِّي. وهذا، -وأيم الله- لهو الجهلُ بعينِهِ..!!

ذات مرَّة، تواصل معي أحدُ مسؤولي مقدِّمي بعض الخدمات، التي ترتبط بمصالح النَّاس، حينما كتبتُ مقالةً عرَّضتُ بالجهة التي يترأسها، فما كان منه إلَّا أنْ طالبني بمناظرة يجمع فيها الكُتَّاب والإعلاميِّين؛ ليناقشني فيما كتبتُه!!

فقلتُ حينها: لو أنَّ كلَّ كاتب تحسَّس خطأ ما، أو أبان عن قصور يتبع جهةٍ من الجهات، وأخذنا برأي ذاك المسؤول، لما بَقِيَ على الأرض أحدٌ من الكُتَّاب يمارس دوره ككاتبٍ، فمن كان له رأي يختلف مع ما كتبه الكاتب، فسبيله متاح للردِّ، والتَّصحيح، والتّفنيد.

فعندما كانت بعض الجهات تتعرَّض لبعض النقدات من الكُتَّاب، يُتاح لها الرد في الصحيفة ذاتها، والمساحة نفسها.. وهذا ما درجت عليه جميعُ الصحف دون أدنى حَرَجٍ.

*****

إنَّ الكاتب عندما يكتبُ في أيِّ شأن من شؤون المجتمع، إنَّما يكتب لأجل تصحيح معوجٍّ، أو تعزيز موقفٍ، أو عرض وجهة نظر يرى سلامتها ونجاعتها. فهل يستقيم، عندما يكتبُ الكاتبُ عن غلاء المهور -مثلًا-، أنَّه يقصد بذلك رغبته في الزَّواج، ويسعى لحثِّ المجتمع على تقليل المهور..؟!

وهل يستقيم، عندما يكتبُ الكاتبُ عن ظاهرة ارتفاع الإيجارات السكنيَّة، أنَّه يبحث عن مأوى، أو يطلب معونةً من أحدٍ..؟!

وهل يستقيم، عندما يدعو الكاتبُ برفع سقف الوعي بأهميَّة الشعر الفصيح، أنَّ لديه ديوانَ شعرٍ يروم للدعاية والترويج له بين القرَّاء؟!

وهل يستقيم، عندما يقوم الكاتبُ بكتابة موقفه من الشِّعر الشعبيِّ، فتتدلَّى الألسنةُ والأقلامُ بالنَّيل ممَّا يكتب، حتى غدت سيلًا من «التُّهم»، تطال الكاتبَ، وتطال اسمًا محدَّدًا وهو لم ينل منه.

إنَّ الكاتب الحقيقيَّ ليس كاتبَ معاريضَ يسطِّرها أمام أعتاب المصلحة والحاجة والهوى، وإنَّما هو صاحب مبدأ، وإيمان، واعتقاد بما يقول، أو يكتب.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store