ما زال الباحثُونَ في الآثار، ينشغلُونَ في موقع قبرِ النبيِّ موسى -عليهِ السَّلامُ-، وأنا بالطَّبع لسْتُ واحدًا منهم، لكنْ لديَّ فضولٌ كبيرٌ عن ذلك بحُكْم حبِّي للآثار.
وموقع القبر غيرُ معروفٍ بصفةٍ قطعيَّةٍ، عكس موقع قبرِ نبيِّنَا محمَّد -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- في المدينة المنوَّرة -حرسها الله، وصاحبَهَا من كلِّ سوءٍ-. وقبل سنواتٍ كُنتُ أسافرُ شهريًّا إلى تبوك، ومنها إلى حقل، على ساحل خليج العقبة في البحر الأحمر، حيث كان عملي في مشروع محطَّة تحلية المياه المالحة، التي تروي عطش أهل حقل، المُطِلَّة على ٣ دول، إضافة إلى المملكة (الأردن، وفلسطين المحتلَّة، ومصر) وأرانِي -حينهَا- زميلٌ من أهلِها منطقةً تحميها هيئةُ الآثار السعوديَّة، وقال لي: إنَّ قبرَ النبيِّ موسى -عليهِ السَّلامُ- موجودٌ فيها، بجوار كثيب أحمر، وهو ما يتوافقُ مع الحديث النبويِّ الشَّريف، الذي يقول: (مررتُ علَى موسَى يومَ أُسْرِيَ بِي عِندَ الكثيبِ الأحمرِ، وَهُو قائمٌ يُصلِّي فِي قبرِهِ)، فجعلني ذلك أتابعُ ما يستجدُّ عن موقع القبرِ، ولو بشكلٍ غير عميقٍ.
والذي يجعلني أستنبطُ من الحديثِ صحَّة قول الزَّميل، هو أَنَّ حقل تقعُ على الخطِّ المستقيمِ في المسافة بين مكَّة المكرَّمة، والقُدس، وأؤمنُ أنَّ مسار الإسراءِ بالنبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- لم يكنْ متعرِّجًا بين المدينتَين، بمعنى أنَّه لو كان القبرُ في الأردن، أو في مصر؛ لتعرَّج المسارُ، وهذا لا يليقُ بالقدرةِ الخارقةِ والدَّقيقة للملائكة، ودابَّة البُراق، التي استودعَها اللهُ فيهم، ولا يستطيعُ جبلٌ، ولا بحرٌ، ولا طقسٌ من إجبارِهم على تعريجِ المسار، وتبعًا لذلك فإنَّ من المنطقيِّ القول: إنَّ القبرَ موجودٌ في حقل، فضلًا عن كثرةِ الكثبانِ الحمراءِ فيها.
وقد ظهر الباحثُ السعوديُّ مصلح العمراني قبل أيَّام ليقول: إنَّ القبرَ موجودٌ في حقل، وهذا يعضِّد شواهدِي القديمة، ومعَ ذلك فالأمرُ يستحقُّ الدِّراسة الأثريَّة الموسَّعة، فالجغرافيَا في حقل هي الأكثرُ انسجامًا مع النصِّ النبويِّ ممَّا هو موجود في الأردن، ومصر، وأجزاء كثيرة من فلسطين المحتلَّة، حيث يزعمُ مواطنُوها هناك، أنَّ القبرَ موجودٌ فيها، وحقل تكتنزُ أسرارًا تاريخيَّةً كثيرةً، لم تُكتَشف بعد، وربَّما كان إخفاء موقع القبرِ حكمةً إلهيَّةً؛ لدرءِ الفتنِ والشركيَّاتِ، ولو أَذِنَ اللهُ بإثبات وجوده في الأراضِي السعوديَّة، فيمكن لنا تحويله لمعلمٍ تاريخيٍّ بلا طقوسٍ شركيَّة، ولا صراعاتٍ دينيَّة، وبسيادةٍ سعوديَّةٍ حكيمةٍ، مثلمَا يجري في مكَّة المكرَّمة، والمدينة المنوَّرة.
والموقعُ -فيما لو ثبت وجوده لدينا- هو تراثٌ إنسانيٌّ نستفيدُ منه ثقافيًّا وسياحيًّا، دون سماح للمزايدةِ، أو الهياط، أو كتابة التاريخ بالباطل، وكما فعلَ النبيُّ محمَّدٌ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- حين رأىَ يهودًا في المدينة المنوَّرة يصومُونَ يومَ عاشوراء، فصامَهُ، وحثَّ أُمَّته على صيامِهِ، قائلًا: إنَّه أَوْلَى بموسَى -عليهِ السَّلامُ- منهُم، ونحنُ إذنْ كمسلمِينَ وأحفاد لصحابةِ وتابعِي محمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أَولَى بموقعِ قبرهِ، وهو أمانةٌ لدينا؛ للعظةِ والعبرةِ والذَّكرَى الحميدةِ.


