Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد علي الزهراني

المستعمرات الجديدة

صوت

A A
شُيِّدت في عصرنا هذا، مستعمرَاتٌ لا تُرَى على خرائط الأرض، ولا تُحاصرُهَا الأسوارُ، ولا تُحميها الجيوشُ، بل هي مستعمرَاتٌ تسكنُ العقولَ قبل أنْ تسكنَ الأجسادَ. تلك المستعمرَاتُ الرقميَّة التي أُقيمت في فضاءات تطبيقات التواصل الاجتماعيِّ، حتَّى غدت أوطانًا موازيةً يعيشُ فيها بعض النَّاس أكثرَ ممَّا يعيشُون في بيوتهم، ويقضُون أعمارهم بين أزقَّتها الوهميَّة وأصواتها المجلجلة.

هي مستعمرَاتٌ لها أنظمتها وقوانينها، ولها مواطنُوها الذين ينتمُون إليها أكثر ممَّا ينتمُون لمجتمعاتهم الحقيقيَّة. فيها مدارس يتخرَّج فيها جيلٌ كاملٌ على «ثقافة الوجبات السَّريعة» في التَّفكير، ومعلِّمُون يوزِّعُون الأوهامَ، بقدر ما يوزِّعُون الحقائقَ. فيها أطباءُ يصفُونَ العلاجَ بجرعةٍ من مقطع عابر، وفلاسفةٌ يُغرقُونَ النَّاس بعبارات مقتضبة، تُشبه الومضات، لكنَّها تحجبُ نورَ العقل أكثرَ ممَّا تكشفه.

لقد كشفت هذه المستعمراتُ عن حقيقتِنَا نحنُ، حين أزالتِ الأقنعةَ عن البعضِ، وأسقطتِ الحجبَ، ففضحت الأسرارَ العائليَّة التي كانت يومًا تذوبُ في جدران البيوت، واقتحمت الخصوصيَّات التي كانت من أقدسِ المقدَّسات. لم تتوقَّف عند ذلك، بل عرَّت جسدَ الفضيلةِ، حتَّى غَدَا البعضُ يبيعُ حياءَهُ في بثٍّ مباشرٍ، أو يعرضُ شرفَه في مقطعٍ قصيرٍ، تحت شعار: «المتابعُونَ أوَّلًا». إنَّ أخطر ما في هذه المستعمراتِ، أنَّها صارت مرايا صادقةً لقيمة العقول المغسولة، فما كان يُخفى تحت رداء الوقار، ظهر عاريًا أمام الجميع. هي ليست مجرَّد تطبيقات، بل سلطاتُ جديدةٌ تستعمرُ الفكر والرَّوح، وتُعيد تشكيل وعي النَّاس على مقاسها الهابط.

ويبقى السُّؤالُ المُوجع: هل سنظلُّ سكَّانًا أوفياءَ لهذه المستعمراتِ، ندفعُ ضرائبَ العمرِ والكرامة، أم سنستيقظُ يومًا ونستعيدُ عقولَنا من بين جدرانها الزجاجيَّة الزَّائفة؟!

[email protected]

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store