لطالما كانت القهوة (المُرّة) أو (الشاذلية) سيدة المجالس، وأحد أهم رموز الكرم والرجولة في مجتمعنا.. فالمشروب الفاتن الذي تغنَّى به الشعراء، وسارت بأخباره الركبان، اقتطع مساحة كبيرة من الثقافة السعودية خلال القرن الماضي، ربما لأنه التصق بالمجالس والحكايات ومعاني الكرم، وربما لأنه يُعدّ بهوية سعودية متفردة، ويُدار بطقوسٍ لا تُشبه غيرها؛ أما مهمته الوحيدة فكانت ومازالت بسيطة ومحددة؛ أن توقظ خلايا مخك، وتُعدِّل مزاجك، وتُعلّمك (علوم الرجال).
اليوم، تقلَّصت مساحة القهوة السعودية، بعد أن دخلنا عصر «الخزعبلات» المُقطّرة والمستوردة، وتركنا (المشب والوجار وصفوف الدلال المذهَّبة والفضية، ودخلنا إلى المقاهي ذات (البراندات العالمية)، وكأنك تدخل «مختبراً كيميائياً»، يقف أمامك شاب بزي أشبه بزي رواد الفضاء، يرمقك بنظرة خبير نووي، ويسألك أسئلة وجودية: «إثيوبية أم كولومبية؟، حارة أم باردة؟، مغسولة أم مجففة؟،
V60 أم كيمكس؟، وكم الارتفاع الذي تريد عن سطح البحر ؟». تقف مذهولاً من هول الأسئلة، أنت تريد «كوب قهوة» لا أكثر، لكنك تجد نفسك في امتحان جغرافيا وزراعة، تخجل من جهلك، لكنك لابد أن تتماسك وتجيب كي لا تظهر بمظهر المتخلِّف، فتُردِّد كلمات سمعتها ممن حولك «إثيوبية.. V60 بليييز»، وأنت لا تعرف الفرق بينها وبين زيت السيارات!.. ثم تبدأ بعدها حفلة الطقوس المخاتلة، الميزان الحسَّاس الذي يزن حبَّات البن، وكأنها يورانيوم مخصّب، والماء الذي يُصب بحساب ودلال، وكأنه ماء المفاعلات النووية الثقيل، والتقطير البطيء؛ الذي يستغرق وقتاً يكفي لبناء ملعب كرة قدم.. تنتظر بصبر (المتورط) المغلوب على أمره، وتستمع لمن خلفك يتهامسون حول «إيحاءات» القهوة: «فيها لسعة حمضية تُشبه كرز الجبل في صباح ماطر». وترد في نفسك: (أي كرز وأي بطيخ؟، الله يخارجنا وبس)!. تأتي اللحظة الحاسمة.. لحظة دفع ثمن المسرحية الهزلية التي تعيشها، فيصدموك بمبلغ يكفي لشراء وجبة عشاء لأسرتك، أو تعبئة خزان وقود سيارتك.. تدفع ثم تبتسم ابتسامة صفراء، لأنك (حطيت راسك مع الروس)، واشتريت «البرستيج» و»الطقوس»، لا القهوة.
الكارثة يا سادة ليست في القهوة، فلكل زمان قهوة ورجال، الكارثة الحقيقية فينا نحن، بعد أن تحولت القهوة في أعرافنا من «كيف» إلى «برستيج».. وأصبح الكوب الورقي المزيّن بشعار المحل (اللوقو)، أهم مما بداخله.. يجب أن تمسك الكوب بطريقةٍ معينة، وتُصوّره بجانب نظارتك الشمسية ومفتاح سيارتك، لتُرسل رسالة للمجتمع: «أنا أشرب القهوة المختصة، إذن أنا موجود، وأنا راقٍ، وأفهم في الإيحاءات والكرز الجبلي»!. لقد أصبحنا أسرى لطوابير الانتظار الطويلة، ندفع أضعاف قيمة كوب القهوة، فقط لننال صك القبول الاجتماعي.. نسينا طعم القهوة وسط زحام المصطلحات الخادعة، ونسينا أن «تعديل الراس» لا يحتاج لكل هذه الفلسفة، وهذا الاستنزاف المالي.
عزيزي «المتذوّق»: في المرة القادمة التي يُحاضر عليك فيها (الباريستا) بأن قهوتك زُرعت فوق السحاب، وأن بها إيحاءات «الكرز والمكسرات».. تذكَّر جيداً أن الارتفاع الوحيد الذي سيحدث فعلياً هو «ارتفاع ضغطك» عند الدفع، وأن المشروب الحقيقي.. هو «المقلب» الذي شربته!.


