* مضت عدَّة أيام على رحيل معالي مدير الجامعة الإسلاميَّة السَّابق الأستاذ الدكتور محمد بن علي العقلا -رحمه الله، وغفر له-، ولم يزل غيابُه في نفسي، ونفوس المحبِّين والعارفِينَ به؛ رزءًا فادحًا، وألمًا بارحًا، وجرحًا غائرًا يطوف ساحات هذا الوطن العظيم، كما يطوف أرجاء أكثر من مئة وعشرين دولةً حول العالم.
* عرفته منذ سنوات.. وعرفته عن قُرب معرفة تحقيق، فتوطَّدت علاقتي به حينما استدعانِي للالتحاق بالجامعة الإسلاميَّة خلال فترة تولِّيه قيادتها..
* عرفته بخُلقهِ، وسمتهِ، وتواضعهِ، وقبولهِ، وعلمهِ، وظُرف مجلسهِ، فقد كان -رحمه الله- آيةً في القبول بين مَن يعرفه.. وآيةً في القبول لمَن يلتقيه، أو يتحدَّث إليه.
* كان آيةً من آيات التَّواضع في نظراتِهِ، وحديثهِ، وملبسهِ، وفي كل ما يصدر عنه ومنه، وآيةً في معرفة الرِّجال، وآيةً في مقاربتهم، واختيارهم، واختبارهم، وآيةً في وطنيَّته وإخلاصه وحبِّه لقيادته، وسمتًا متفرِّدًا فيما يؤكل به.
* كان آيةً في بناء الجسور التي تقوم على آصرة من العمل المخلص، مع روح مألوفة بالاندماج بالتَّضحية بين جميع الأطياف التي تحتضنها الجامعة؛ فما رأيتُ أحدًا ممَّن استطاع أنْ يخلق روحًا أبويَّة حافلةً بالودِّ والمحبَّة والأُلفة بين كوكبة متنوِّعة بتعدُّد جنسيَّاتها، وتباين ثقافاتها، وأفكارها، ومشاربها، وتوجُّهات، كما رأيت منه تلك الخصيصة التي تكاد تسري بطيف خفيٍّ يعبر دون إذن، ويلج إلى القلوب دون أبواب.
* عرفته عبر ما أراه يقينًا من مواقف تحمد له في الجامعة -آنذاك-، خاصَّةً في تلك الفترة التي تُعدُّ من أصعب الفترات التي مرَّت بها الجامعة نتيجة زخم عريض من التحوُّلات على كافة المستويات.. فكان -رحمه الله- عصب التوزان في بناء منظومة متكاملة تسير وفق خط الوسطيَّة والاعتدال.
* عرفته عندما كانت الجامعة خليَّة نحل تعجُّ بالمؤتمرات، واللقاءات، والمنتديات، والملتقيات، والندوات، والمحاضرات، بالتزامن مع استحداث كليَّات نوعيَّة، وبرامج مستحدثة.
* كل ذلك؛ لم يكن ممكنًا إلَّا بوجود تلك القوة النفسيَّة، والقوة الفكريَّة، حينما تطفو من ينبوع الفكر النافذ، والقريحة الجيَّاشة، ومضاء العزيمة، وعلو الهمَّة، يصحبها سريرة خالصة بالعطف والشعور.


