في المنظَّمات، ليست كلُّ الأخطاء نتيجة سوء نيَّة، أو مؤامرات داخليَّة، بعضها يولد ببساطة من موظَّف واحد، موظَّف أحمق لا يدرك حجم الضَّرر الذي يخلِّفه، ولا يرى نفسه جزءًا من المشكلة، هذا النوع ليس نادرًا، وليس بريئًا كما يظن، وجوده أشبه بقنبلة موقوتة تتخفَّى خلف ابتسامة وعبارة (يمكنني فعل كل شيء؛ لأنَّ كل الأمور بسيطة).
أُولى علامات الموظف الأحمق، أنَّه لا يلتزم بالتعليمات كما هي، يسمع نصف الجملة، ويبني عليها رواية كاملة، المهمَّة الواضحة تصبح مهمَّة غامضة بمجرَّد أنْ يلمسها، يسأل أقل ممَّا يجب، ويجتهد أكثر ممَّا يستطيع، ويخرج بنتيجة لا علاقة لها بالمطلوب، كل ذلك لأنَّه لا يرى أنَّ الفهم مسؤوليَّة، بل رفاهيَّة يمكن تجاهلها، وهذا الموظَّف يملك جرأة بلا أساس، يتصرَّف وكأنَّه خبير، بينما هو قد يكون آخر مَن يملك الخبرة، يقدِّم إجابات جاهزة، يستخفُّ بالتفاصيل، حتى في الملفَّات التي تستدعي أقصى درجات الدقَّة. الثقة الزائفة ليست مجرَّد سلوك، هي كارثة تشغيليَّة، تدفع الإدارة إلى ملاحقة أخطائه، بدل ملاحقة الفرص.
والموظَّف الأحمق لا يعرف حدوده، يتحدَّث باسم الإدارة بلا إذن، ويعد العملاء بما لا يستطيع تنفيذه، ويمسُّ سياسات لا علاقة له بها، يظنُّ أنَّ المبادرة شجاعة، لكنَّها في حالته تهوُّر، لا يتوقَّع النتائج، ولا يقيس الضَّرر، ولا يفهم أنَّ كل خطوة غير محسوبة قد تتحوَّل إلى أزمة تحتاج ساعات من الإصلاح، وميزة هذا النوع أنَّه يملك تفسيرًا وتبريرًا جاهزًا لكلِّ خطأ، الجميع يخطئ إلَّا هو، لذلك لا يتطوَّر، كيف يتطوَّر وهو لا يعترف بأصل المشكلة؟، كيف يتقدَّم وهو يُؤمن أنَّ الآخرين هم سبب تأخُّره؟، سيظل عبئًا مهما حاولت دعمه!.
أثر هذا الموظف الأحمق لا يظهر مباشرةً، هو تسريب بطيء، تعطيل قرارات بسيطة، فتح ثغرات صغيرة تتجمَّع فتصبح مشكلةً كبيرةً، كل ساعة تُهدر معه، تُسحب من رصيد المنظَّمة، وكلَّما طالت مدة بقائه، زادت كُلفة إصلاح الفوضى التي يصنعها، ولكن -مع الأسف- تبقى هذه النوعيَّة طويلًا داخل المنظَّمة؛ لأنَّه «مطيع» في الظَّاهر، يُنفِّذ بلا نقاش، يبتسم دائمًا، يقبل أيَّ مهمَّة، لكن الإدارة الذكيَّة تعرف أنَّ الانقياد ليس كفاءة، وأنَّ الهدوء الظاهريَّ لا يعني سلامة الأداء، كثير من المنظَّمات وقعت في هذا الفخ.
الإدارة ليست مؤسَّسة خيريَّة، إنْ لم يُظهر الموظَّف استعدادًا حقيقيًّا للتطوير، فالبديل معروف، خطوات تقدير، ثمَّ تحذير، ثمَّ قرار واضح أنَّ إبقاء الموظَّف الأحمق في الفريق ليس رأفةً، بل مخاطرة، ليست ماليَّة فقط، بل تمس السمعة، والانضباط، وثقة العملاء، وروح الفريق.
الموظف الأحمق هو نقطة ضعف في سلسلة يجب أن تبقى متماسكة، والمشكلة ليست أنه يُخطئ، بل أنَّه يكرر الخطأ بثقة، ليس لأنه لا يعرف، بل لأنه لا يريد أن يعرف، ومع مرور الوقت، يتحول بقاؤه إلى تكلفة أعلى بكثير من قيمة وجوده.
(لا تسكتْ عن هذَا النَّوع، ولا تُجاملْ فيه).


