Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد البلادي

هياط الدروع: كرّمني وأكرّمك!

A A
يكاد المشهد يتكرر أمامنا كل يوم.. شخصيات حوَّلت حساباتها في وسائل التواصل إلى «معرض دروع» متحرك! فلا يكاد يمر أسبوع إلا ويطل علينا هذا الشخص أو ذاك، وهو إما يتسلَّم درعاً كريستالياً شفافاً، أو يُسلم شهادة شكر مُذهّبة لمن منحه الدرع الأسبوع الماضي.. تسأل عن إنجازات هؤلاء القوم التي استحقوا عليها كل هذه الحفاوة؟ فتصطدم بالفراغ! تعيد السؤال عن صفات «المُكرَّم أو المُكرِّم» العملية، أو وظيفته أو مصداقية مؤسسته؟ فلا تجد غير السراب! كل مؤهلاتهم تتلخص في تنظيم وليمة «مفطحات» هنا، أو ترتيب «جلسة شاهي» هناك، والتمسُّح بعباءة مسؤول، ليعود آحادهم كل ليلة ممتلئ البطن من حفلات «تبادل الدروع» محمّلاً بـ«شهادة شكر»، ليقول للناس: «انظروا.. أنا مُنجز، أنا موجود».

هذه النماذج المتطفلة تجسد ظاهرة «وبائية» اسمها «كرّمني وأكرّمك»، وهي ظاهرة اجتاحت بعض مؤسساتنا ومجالسنا بشكل مستفز.. في الماضي، كان «التكريم» حدثاً جللاً، لا يحدث إلا في نهايات الخدمة الطويلة، أو عند تحقيق منجز فريد يُشار إليه بالبنان.. كانت «الشهادة» عزيزة، و«الدرع» ثقيلاً بقيمته المعنوية قبل وزنه المادي، لا يحمله إلا من حفر في الصخر وأتعب من بعده، أما اليوم، فقد انقلبت الموازين، ودخلنا عصر (التكريم العبثي)!، سوق مفتوحة للمجاملات الفجة، وتبادل المصالح الرخيصة، حيث تحولت الدروع والشهادات إلى «غسيل شهادات» يغطي بها البعض سيئاتهم الإدارية وفشلهم المهني، مسؤولون ومدراء و«وجهاء غفلة»، يتبادلون الدروع كما يتبادل الأطفال أسطوانات الألعاب، جهات تُكرِّم جهات أخرى لأسباب مضحكة «بمناسبة الزيارة الميمونة»، أو «بمناسبة شرب (الشاي المنعنش) في مقرّنا العامر»!.

المشكلة أن هذه التكريمات الجوفاء تنجح في أحيان كثيرة في«ذر الرماد في العيون».. فتقع في نفوس بعض البسطاء موقع التصديق، فينظرون لهذا «المُكرَّم»، وكأنه قامة وطنية أو إدارية فذة، ويُصدِّقون هذه الترهات المصطنعة، بينما هو في حقيقة الأمر مجرد «بالون» منفوخ، لا يملك فكراً ولا منجزاً حقيقياً.. هكذا يتم تزييف الوعي، وصناعة رموز من ورق!.

لقد أصبحنا أمام «هياط» من نوعٍ آخر.. حفلات تُصرف عليها ميزانيات، وتُلتقط فيها آلاف الصور، وتُكتب فيها قصائد، والنتيجة صفر مكعب.. الدروع التي كانت رمزاً للكفاح، أصبحت تُباع في محلات الهدايا بأسعار الجملة، ليشتريها «المُكرِّم» من ميزانية العلاقات العامة، ويهديها لـ «المُكرَّم» الذي لم يفعل شيئاً سوى أنه «خوي» وعده برد التكريم في أقرب فرصة!.

الدروع المُذهَّبة لا تصنع المنجزات أيها المزيفون، والشهادات الورقية لا تستر فشلكم المهني.. الإنجاز الحقيقي هو ما يمكث في الأرض وينفع الناس، أما زبد «حفلاتكم الكاذبة» فسيذهب جفاءً، ولن يتبقى منه إلا صور باهتة تذكركم بهذا الإثم المتبادل، ودروع في زوايا مهملة تجمع بين الغبار والسخرية!.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store