بواسطة العقل -مكمن التفكير- يُقيِّم الإنسانُ اختياراته: «أنت اليوم حيث أتت بك أفكارُكَ، وستكون غدًا حيث تأخذك أفكارُكَ».. حكمة في الفلسفة الهنديَّة القديمة. يقول ستيف جوبز الرئيس التنفيذي لـ»أبل سابقًا»: «تكمنُ عبرةُ الحياةِ العظيمةِ في أنَّ كلَّ ما تراهُ، صنعهُ أشخاصٌ ليسُوا أذكَى منكَ، ويمكنُكَ تغييرَهُ».
لذلك يتسيَّد العقلُ في كلِّ الأزمنة والعصور؛ لأنَّ العقل هو الذي يصنع الحضارة، يحفظ الجنس البشريَّ، وينتج كلَّ ما تحتاجه البشريَّة في كل مناحي الحياة: الغذاء، الدَّواء، البناء، العلوم، الطِّب والمعرفة، النَّشاط البدني، التَّرفيه، كل ما يُوفِّر للإنسان الحياة الآمنة المستقرَّة.
العقول هي التي تعملُ كلَّ ما سبق؛ لإسعاد البشريَّة، وتساهم في القضاء ومحاربة ما يُهدِّد الإنسان من أمراضٍ، وكوارثَ طبيعيَّة، أو بيئيَّة، وكل ما هو صالح للإنسان، لذلك وُضِعَت الجوائز التي تناسب العقول المتميِّزة والمُبدعة، مثل جائزة نوبل، وجائزة الملك فيصل، وغيرهما من الجوائز الفنيَّة والأدبيَّة، ولكل العقول التي تساهم في كلِّ العلوم والفنون.
لأنَّ اللهَ -سبحانَهُ وتعَالَى- خلق البشر مختلفِينَ، تختلفُ العقولُ وتتفاوتُ في قدراتِها وأهدافِها ومقصودِها ووسائلِها؛ كما للعقول درجات حتَّى حدود العبقريَّة، نجد أنَّ هناك أُخْرى تُوصف بالحَمق بدرجاتِه، وينطبقُ عليها وصف أبي الفرج بن الجوزيِّ، في كتابه: «أخبار الحَمقَى والمغفَّلِين»، في معنى الحَمق والتَّغفيل، هو الغلطُ في الوسيلة والطَّريق إلى المطلوب مع صحَّة المقصود.
مع أنِّي أرى أنَّ عقول الحَمقَى ترتكبُ الخطأ في الوسيلة والمقصود، كما أرَى أنَّ الصِّفة التي خص بها الجنون، تنطبق على الحَمقَى تمامًا، حيث يصف الجنون بقوله: عبارة عن الخَلَل في الوسيلة والمقصود جميعًا! وهو يُميِّز الأحمقَ بقوله: «مقصوده صحيح، ولكنَّ سلوكه الطريق فاسد»!.
فأصحاب العقول الفاسدة، هم حَمقَى؛ لأنَّهم لا يُقيِّمون اختياراتهم، فمقاصدهم خاطئة، ووسائلهم أيضًا!.
إذا دارت دورة الحياة، وتسيَّد الحمقى، فإنَّ الدمار هو المصير؛ لأنَّهم ربما يدفعُونَ مجتمعاتِهم إلى خوض حروب غير متكافئة، تُدمِّر المنجزات التي صنعتها العقولُ، وتستنفد مُقدَّرات شعوبهم.
الأمثلة التاريخيَّة لا تُحصَى على الحَمقَى، الذين أشعلوا الأرض بالحروب، ويُوصفُونَ أحيانًا بـ»الطُّغاة»، لكنَّ الصِّفة الألصق بهم هي الحَمقُ.
من تضلهم عقولهم إلى الإخلال بأمن المجتمع، والفساد بكل أشكاله، الذي يضر بالمال العام ومقدرات مجتمعاتهم، فمقصودهم فاسد، ووسيلتهم خاطئة.
يضربُ ابن الجوزي مثالًا على الحَمقِ: أنَّ طائرًا طارَ من «حاكم مدينة»، فأمرَ أنْ يغلق بابها!، فمقصودُ الحاكم حفظُ الطائر، لكنَّ الوسيلة فاسدةٌ؛ لأنَّ الحَمقَ فسادُ العقلِ، وهو غريزةٌ لا ينفعها التَّأديبُ».
فهو تصرُّف أحمق لا شكَّ؛ لأنَّه يُسبِّب ضررًا لسكَّان المدينة، لكنَّه ليس ضررًا يوازي ضرر مَن يُروِّج أو يُتاجر في المواد الفاسدة، التي تضرُّ بصحَّة المجتمع، وربما تؤدِّي إلى هلاك مَن يستخدمها.
أولئك المهرِّبُونَ والمتاجرُونَ بالمواد الممنوعة، كالمخدِّرات، هم أشدُّ حمقًا من الحاكم الذي أقفل أبواب المدينة، ليُحافظ على حياة «الطَّير».
مَن أشعل فتيل الحرب العالميَّة الأُولى، والثَّانية، مَن قادَ أُمَّته إلى الدَّمار والهلاك، هل «مقصوده» صحيحٌ -كما يقول ابن الجوزي- لكنَّ وسيلته فاسدة؟ أليسَ الأمرَان فاسدَينِ.. المقصود والوسيلة؟!.
حروب أنهكت البشريَّة، يُشعلها الحَمقَى، ويدفعُ ثمنَها العقلاءُ.
يقول برتراند رسل: «إنَّ الحمقَى والمتعصِّبِينَ واثقُونَ من أنفسهم دائمًا.. وأحكم النَّاس تملؤهم الشُّكوك».
قِيل لإبراهيم النظام: مَا حدُّ الحَمَقِ؟ فقال: سألتنِي عمَّا ليسَ لهُ حدٌّ!.
قِيل: الحماقةُ مأخوذة من «كسدت السُّوق»، فكأنَّما الأحمق «كاسد العقل والرَّأي»، فلا يُشَاور، ولا يُلتَفت إليه في أمر حربٍ.
كثيرة هي الصِّفات التي يمكن وضعها تحت بند الحَمَقِ على مستوى الفرد: الحَسد، الحِقد، الطَّمع، الجَشع، الرِّياء، الكَذب، السَّرقة.
كلُّ مَن يُمارس تلك الرَّذائل، أو أحدها، فهو أحمق بالتَّأكيد! وقانَا اللهُ وإيَّاكُم مِن الحَمَقِ والحَمقَى!.


