برحيل معالي الأستاذ الدكتور محمد بن علي العقلا -المدير الأسبق للجامعة الإسلاميَّة- فَقَدَ الوطنُ أحدَ رجالاته الذين جمعُوا بين العلم والهَيبة، وبين الخُلق الرَّفيع والعطاء الذي لا يعرفُ حدودًا. كان -رحمه الله- رمزًا للوقار والتَّواضع، وشخصيَّة استثنائيَّة تركت أثرها في قلوب كلِّ مَن عرفها. وفي لحظةِ الفَقْدِ الكبيرة هذه، لم أجد أصدقَ من الشِّعر لاحتواء الألم، فخططتُ هذه الأبيات؛ تعبيرًا عن وفائي، وشهادةً لا تفي حقَّ رجلٍ عاشَ كبيرًا، ورحلَ كريمًا.
يَا سَامعَ الصَّوتِ أنتَ خَالِقُنَا
يَا بَاعثَ الحَيِّ أنتَ مُوجدُنَا
يَا خَالقَ الكَونِ يَا مُصِّرفهُ
اصْرِف قُلُوبًا يَا مُقلِّبهَا
نحنُ الَّذِينَ قلوبُنَا رَجَفتْ
مِنْ هَولِ آيَاتٍ نُردِّدُهَا
نحنُ الذِينَ قُلُوبنَا وَجِلتْ
وَالخَوفُ يَعصِرُهَا وَيَقتُلهَا
يَا رَبِّ ثَبِّتْ قُلُوبًا أَنتَ
قلبُهَا مُرتَجَاهَا أنتَ وَمُنْقذُهَا
طَرقَتُ بَابَ الرَّجَاءِ مُرتَعِشًا
وَأنتَ آمَالِي تُحقِّقُهَا
اليومَ ضيفٌ حلَّ أَرضَكُم
رُحْمَاكَ نَرجُو وَنأملُهَا
سَعَتْ قَدَمَاهُ فِي مَناكِبهَا
بذلًا وَإِحسَانًا يُقدِّمُهَا
روحٌ تَهَادتْ إِلَى تُرَبِ
سُنَّة فِي الكَونِ نُنجِزُهَا
مُكرِم الأضْيَافِ بِلَا عَددٍ
وَأنْتَ أكرمُ مَن يُضيِّفُهَا
الكلُّ يكتبُ عَن مَناقبِهِ
الوَاحدُ المُحصِي يُعدِّدُهَا
يَا خَالِقَ الكَونِ أَنْتَ تُبصِرُنَا
دُمُوعنَا أَوقَدتْ مَدَامِعَهَا
أبَا طَارِق فِي حِرزِ خَالقِهِ
مَن ذَا يُجَارِي وَأنْتَ حَارِزُهَا
مَعَالي الخُلقِ نَحنُ نَعرِفُهَا
أَنتَ المَعَالِي وَأنْتَ سَامِقُهَا
مَن يُنزِل النَّفسَ فِي مَواضِعِهَا
اللهُ يُعلِيهَا وَيرفَعُهَا
إِنَّ القَريبَ اليومَ يَسكُنهُ
حزنًا شديدًا فِي مُحمَّدِهَا
يَا مَن يُرجَّى لكلِّ نَائبةٍ
مَصائِب الدُّنيَا تُهوِّنُهَا
يَا رَبِّ سِلوَانًا تُنزِّلهُ
لكلِّ نَفسٍ فِي مُحمَّدِهَا
العينُ تبكِي فَقْدَ مَن رَحلُوا
دمًا تَحدَّرَ مِن مَحاجرِهَا
ارْحَمْ قُلُوبًا مَسَّهَا ألمٌ
رُحْمَاكَ رَبِّي معلِّلُهَا
لُطفًا بِمَن صَابَهُ حزنٌ
فَالأُم تَشكُو لِطَارِقهَا
يَا طَارقَ الخَيرِ أنتَ طارِقُهَا
وَأَنتَ سَانِدُهَا مُعوِّضُهَا
أباكَ لنْ نَنسَى صَنائِعَهُ
صَنائِع تُرْوَى وَنَنسِجُهَا
يَا رَبِّ صَبرًا أَنتَ تُنزِلهُ
عَلَى حَبيبٍ كَانَ يُؤنِسُهَا
يَا رَبِّ جبرًا لخَاطرِهَا
عَلَى رَفيقٍ كَانَ يُسعدُهَا
يَا رَبِّ صَبرًا أَنتَ تُنزِلهُ
مَن فَقَدن اليومَ عَاضِدهَا
يَا رَبِّ صَبرًا أُنَاشدَكُم
أبَناؤه الفَقْد يُقلقِلُهَا
يَا رَبِّ صَبرًا لأُسرِتنَا
فَأنتَ تَكسُوهَا وَتجبرُهَا
عذرًا أبَا طَارَق فَقَافِيتِي
لمْ تُنصِف اليومَ شَاعِرهَا
لمْ تستطعْ شَملَ مَناقِبكُم
تعسفُنِي تارةً وأَعسفُهَِا
لوْ تبصِر النَّاس وَهِيَ تَحمِلكُم
تَبكِي دُمُوعًا مَا تُكفْكِفهَا
مَن للتَّواضعِ غَابَ سَيِّدُه
رَاياتُه تبكِي فَقْد حَامِلهَا
مَن لِلمَعالِي أنتَ سَيِّدهَا
عُرَى التَّواضعِ أنتَ رَافُعهَا
مَن لِلمكارمِ يُبدِي بشَاشتَهُ
وَأنتَ مشعلُهَا وَموقدُهَا
مَن لِلملمَّاتِ إنْ صَعبتْ
وَأنتَ كَائدُهَا ومخسرُهَا
يَا سَاهرًا للخَيرِ ترقبُهُ
أرْجَعتَ لِلأُلى مَراجِعهَا
فردَوسُك الأَعلَى أُناشدَكُم
يسْكن أبَا طَارق أَواسِطَهَا