Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أحمد أسعد خليل

سيرة حياتك !!

A A
كتابة السيرة الشخصية ليست مشروعاً أدبياً، ولا محاولة للتفاخر، ولا عملية توثيق باهظة المعنى كما يعتقد البعض، ولكن كتابة السيرة الشخصية هي محاولة لفهم نفسك قبل أن تُقدّمها للعالم، إنها اختبار صريح لمقدار ما تعلَّمته، وما خسرته، وما بقي منك بعد كل معركة مررتَ بها، لذلك، حين نقترب من فكرة سيرتك الشخصية، فإن أول ما يجب التخلص منه هو وهم المثالية، فالسيرة التي تُجمّل صاحبها تتحول إلى منشور علاقات عامة، أما السيرة التي تعترف، وتُفكِّر، وتكشف، فهي التي تستحق أن تُكتب.

الكتابة هنا ليست ترفاً، بل أداة إدارة للذات، فكل إنسان يحمل حياة مليئة بالقصص، لكن القليل فقط يعرف كيف يُحوّل هذه القصص إلى دروسٍ وحِكم، والفرق بين الاثنين هو القدرة على كتابة سيرة صادقة، والصدق ليس المقصود به الاعتراف السلبي، بل الاعتراف الحقيقي، ما الذي صنعك؟ وما الذي غيّرك؟ وما الذي يجب أن يراه من يأتي بعدك فيك؟.

كثير من الناس يعتقدون أن كتابة السيرة الشخصية تحتاج إلى ذاكرة خارقة تحفظ كل التفاصيل، وهذا تصور خاطئ، فالذاكرة ليست أرشيفاً، بل فلتر، ودورك أن تُرتّب ما تتذكره، لا أن تسترجع كل شيء، وما يهم هو اللحظات التي شكّلتك، القرارات التي غيّرت مسارك، الهزائم التي أعادت بناءك، والأشخاص الذين رفعوك أو كسروك، فالسيرة الحقيقية تبدأ عندما تعترف أنك لا تستطيع تذكُّر كل شيء، لكنك تستطيع اختيار ما يجب أن يبقى.

الكتابة عن الذات ليست سهلة، بل هي مواجهة، وأكثر ما يهرب منه الإنسان هو مواجهة نفسه، والشجاعة هنا ليست شجاعة الاعتراف فقط، بل شجاعة وضع نفسك تحت الضوء، ماذا كنت؟ ماذا أصبحت؟ ولماذا؟.

السيرة لا تحتاج بطلاً، بل تحتاج إنساناً، والإنسان الحقيقي يتكوّن من لحظات قوة ولحظات ضعف، إذا كتبت سيرة بلا ضعف، فأنت لم تكتب سيرة، بل إعلاناً، والسيرة ليست سرداً زمنياً فقط، صدقاً الكاتب الضعيف يُبرِّر ماضيه، الكاتب الحقيقي يُحلّله، ولا بد أن نعي بأن اللغة ليست زينة، بل أداة تكشفك أو تخفيك، وفي كتابة السيرة، لا تحتاج إلى لغة متكلفة ولا شعرية زائدة، بل تحتاج لغة صافية، مباشرة، تقول الحقيقة بلا قفازات، لأن الجمال في السيرة ليس في البلاغة، بل في الصراحة، كل ما عشته سيصبح أكثر وضوحاً إذا كتبت بصدق، والصدق لا يحتاج إلى أسلوب معقَّد، ولكن يحتاج فقط إلى قرار.

دائماً نحتاج إلى مسافة زمنية أو ذهنية تمنحنا قدرة على رؤية الماضي كما هو، لا كما شعرنا به لحظتها، هذه المسافة هي التي تمنح النص نضجاً، وتمنحنا قدرة على رؤية الأمور من زاوية أعلى، بلا غضب ولا غرور ولا حساسية، والسيرة الشخصية ليست استعراض نجاحات، بل هي وثيقة أثر، ما الذي تريد أن يتعلمه القارئ منك؟ ما الشيء الذي تريد أن يبقى بعدك؟ وما الفكرة التي تستحق أن تخرج من قصتك؟.

لماذا يجب أن تكتب سيرتك الآن؟!.

لأنك ستكتشف نفسك، ستفهم مسارك، وستعرف لماذا أصبحت الشخص الذي أنت عليه اليوم، وكتابة السيرة فرصة لإعادة ترتيب حياتك، لإعادة تعريف أولوياتك، ولتقدير نجاحاتك وهزائمك بالمعيار الصحيح.

(السيرة ليست نصاً تكتبه مرة وتغلقه، بل هي مشروع مستمر، دفتر صادق يرافقك، لا كتاب على الرف).

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store