انتهَى فيلمُ «الست»، وما أزالُ جالسةً في مقعدي بالسينما منتشيةً معَ موسيقى الخاتمة، لأغنيتها الخالدة «ألف ليلة وليلة»، القريبة من قلبي، ولم يكنْ اختيارها مِن فريق العمل عشوائيًّا، فـ76 عامًا من عمرها، فيها ألف ليلة وليلة، عاشتها «ثومة»؛ لتكون أنموذجًا للأنوثة الحقيقيَّة التي خلَّدت فيها «كوكب الشرق»، أنوثةً ناضجةً غيرَ مبتذلٍ، تمسَّكت فيها بالقِيم والمبادئ الأصيلة، والتي لم تنفصلْ فيها عن أمومةٍ داخلها كأُنثى لم تعشها إلَّا مع أغنياتها، فكانت دقيقةً مع كلِّ التفاصيل، وكأنَّ أغنياتها أبناءٌ لها، منذ اختيارها الشَّاعر، واللَّحن، وما تلبسه الفرقةُ خلفها، ومَن سيحضر، وترتيب الحضور بدقَّة متناهية، لهذا بات صوتُها خالدًا مع حقبٍ وأجيالٍ متتاليةٍ.
ومِن العنوان «الست»، تدرك أنَّك أمام سيرة أنثويَّة لامرأةٍ عاشت ممتلئةً بالتجاربِ والمشاعرِ الإنسانيَّة العميقةِ، مشاعرُها المحبِّة لعائلتها، ومشاعرُ الطموحِ، والوعيِ، والوحدةِ، والخوفِ، والاستسلامِ، والأمومةِ المفقودةِ، والمرضِ، كلُّ ذلكَ ضمن صراعٍ بين أنوثة امرأة مُحبِّة لأنوثتها، في حقبة تاريخيَّة تتَّسم بذكوريَّة المجتمع، وإقصاء المرأة، وظهر ذلك جليًّا منذُ مرحلة الطفولة والمراهقة، حيث حُبست أنوثتها في ثوبٍ ذكوريٍّ؛ لخوفِ والدها عليها من مجتمعٍ لم يتعوَّد رُؤية نساء على المسرح تغنِّي دونَ أنْ يروها كمتعةٍ متاحةٍ، وحتَّى حين بدأت شخصيتها الطموحة تكسرُ القيودَ المجتمعيَّةَ الذكوريَّةَ، كسرتها بقيمٍ ومبادئَ صارمةٍ؛ لتخلق صورة (كوكب الشرق) القويَّة النَّافذة المُوازية للرَّجل، والتي تختبئُ خلفها الأنثى القويَّة، فكان الصراعُ عظيمًا بين أنوثة «الست» والذكوريَّة النمطيَّة في «كوكب الشرق» داخل ثومة، صراعٌ ظهرَ مع عصرةِ يديها لمنديلهَا الأنثويِّ الذي تميَّزت به، وفي حركةِ عينيها التي أبدعت الأستاذةُ القديرةُ منى زكي في تجسيدها الصراع من خلالهما، وما عليك إلَّا أنْ تشاهدَ أفلام أم كلثوم الستة، التي مثَّلتها خاصَّةً فيلم (فاطمة)؛ لتعرفَ كيفَ ذاكرت جيدًا منى زكي، والمخرجُ مروان حامد، والكاتبُ أحمد مراد شخصيَّتها وحركاتِها وتفاصيلهَا.
بكل صدق أبدع فريق العمل تمثيلًا وكتابةً وإخراجًا وتصويرًا في تجسيد أيقونة الغناء العربي باحترافية وفنية عالية، ودرامية عميقة، تسللت لمناطق لم ندركها فيها قبل هذا الفيلم، ولم أتوقَّع أنْ أشاهدها في فيلم عربيٍّ، خاصَّةً وأنَّنا تعوَّدنا على نمطٍ دراميٍّ تقليديٍّ معيَّن في سينما السِّيرة الذاتيَّة العربيَّة، الذي يركِّز على مثاليَّة الشخصيَّة وجعلها مثاليَّةً، دون الاقتراب من التفاصيل الإنسانيَّة التي كوَّنتها، ولهذا أعتبرُ الفيلمَ فاتحةً جديدةً لدراما السِّيرة الذاتيَّة العربيَّة العميقة، لا أقولُ ذلك كانطباعِ مشاهدة، بل من باب قراءاتِي المتعدِّدة في نظريَّة الدراما، وتخصصي الدراسيِّ، فالدراما من هذا النوع يمشي على أرضٍ من الشَّوك؛ لأنَّه يمزج بين الوثائقيَّة والخيال، وليس بأيِّ مخرج، ولا أيِّ ممثِّل، ولا أيِّ كاتب يستطيع الولوج في أعماق هذا النَّوع من الدراما بسهولة، أمَّا مسألة أنْ يكون البطلُ شبيهًا شكليًّا بالشخصيَّة فهذا نمط انتهى من الدراما، ولم يعد شرطًا فيها، وإنْ كانت منى زكي الأستاذة، رغم فوارق الشبه استطاعت تجسيدها باحترافيَّةٍ عاليةٍ.
أعتقدُ لو أنَّ أُم كلثوم حضرت «الست»، وشاهدت أداء الرَّائعة منى زكي؛ لصفَّقت لها بحرارة، فقدْ أبدعت في إخراج مشاعرها الأنثويَّة، خلال مراحل حياتها، والتي -في رأيي- لا يكفيها فيلم واحد؛ لأنَّ أم كلثوم تجربة إنسانيَّة عميقة، أمَّا ما تمَّ تناقله من آراء انطباعيَّة، فهي لا تمس الفيلم، خاصَّة مَن يزعم إظهار أم كلثوم بخيلةً!! كيف تكون بخيلةً، والفيلمُ قائمٌ أساسًا على جولتها لجمع التبرُّعات للجهد الحربيِّ المصريِّ، وتبرَّعت بالملايين! ومع الأسف كثيرُون خرجُوا بآراء انطباعيَّة من مشاهدة إعلان الفيلم، وما زاد الطِين بلةً انسياق بعضهم خلف رأيٍ نرجسيٍّ متحيِّزٍ للممثِّل محمد صبحي في حقِّ الفيلم، وفريق العمل، والواضح فيه أنَّه لم يتجرَّد من دوافعه الشخصيَّة الانتقاميَّة من هيئة التَّرفيه السعوديَّة، بعد إعلانها رعاية الفيلم، وهو رعاية فقط، دون تدخُّل مسبق في إنتاج، أو محتوى الفيلم، وهو فيلمٌ يستحقُّ بجدارةٍ رعاية الهيئة المحفِّزة دائمًا مع معالي المستشار تركي آل الشيخ لكلِّ إبداعٍ مُستحَقٍّ.


