حزِنْتُ كثيرًا على وفاة مؤذِّن المسجد النبويِّ الشَّريف، الشيخ الوقور والجليل فيصل النُعمان -رحمه الله، وأسكنه فسيح جنَّاته مع عباده الصَّالحين-.
قبل سنواتٍ لا أذكرُ عددَها ولكنَّها كثيرةٌ، ولم أكنْ أعرف النُعمان، وفي إحدى زياراتي للمدينة المنوَّرة، دخلْتُ المسجد النبويَّ قبل رفع أذان صلاة الفجر، وكان حظِّي الجميل أنْ عثرْتُ على مكانٍ في الرَّوضة الشَّريفة، وكانتْ بي من الهموم مَا اللهُ به عليمٌ، فصلَّيْتُ ركعتَيْن، ودعوْتُ اللهَ بما قدَّر، وجلسْتُ أتخيَّل هذا المكان العظيم، حين كانَ رسولُ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- حيًّا يُرزق، فتخيَّلتُه وهو يخرجُ من غرفاتِه ليؤمَّ المسلمِينَ، والصحابة الكِرام يقفُون خلفَه كأنَّهم بُنيانٌ مرصوصٌ، يفدُونَه بآبائِهِم وأُمَّهاتِهِم وأموالِهِم وأنفسِهِم، يا إلهي كمْ هُو خيالٌ جميلٌ، كمَا سألتُ نفسي عن المؤذِّن الذي قد يسمعه الحبيبُ المصطفَى -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- وهُو في قبرِه الشَّريف.
وفجأةً صدحَ النُعمان بالأذان، وكانت هذه هي المرَّة الأُولى في حياتي التي أسمعهُ فيها، ولا أذكرُ أنَّني خشعْتُ طيلةَ حياتِي مع أذانٍ مثلمَا خشعْتُ مع أذانهِ، حتَّى ذرفت عيناي الدموعَ وانخرطْتُ في بُكاءٍ غير مكتومٍ، وانشرحَ صدري، وارتاحَ بالي، ونسيتُ همومِي.
وللنُعمان صوتٌ شجيٌ وهادئٌ وحزينٌ، يُلامس القلوبَ قبل الآذان، ويُوقِظُ في القلوبِ الغافلةِ سكينةً لا تُنسى، وهو لم يكن مؤذِّنًا فحسب، بل ذاكرة سمعيَّة جميلة ارتبطت بالمدينة المنوَّرة، ومعروفة في مشارق الأرض ومغاربها، وهو أيقونة أذان مدني كفيلة بطرد الشياطين، وصوت شبه ملائكي لا يُعوَّض مهما مرَّت السنين، وأسلوب ناعم وأبوي وأخوي وحنون للنداء الإلهي تقشعرُّ معه الجلودُ، وتلين به القلوبُ، وما أظنُّ سماء المدينة المنوَّرة إلَّا قد بكت عليه كما بكته أرضُها وحرَّاتُها ونخيلُها وبساتينُها وعجوتُها وآبارُها وجبالُها، ولم أجد إلى الآن من يُجيد تقليده، فهو مدرسة منفردة، بل جامعة عريقة في الأذان، وستفتقده المدينة المنوَّرة، وكلُّ بقاع الإسلام والمسلمين، ومات النُعمان ببركة الأذان في أمن وأمان، وأظنُّه اليوم طويل العُنق في جنَّات النَّعيمِ.
إنِّي داعٍ فأمِّنُوا معِي: اللَّهمَّ اجعل أذانَ النُعمان شفاعةً له، وتقبَّله في علِّيِّين، وأدخله الفردوسَ الأعلَى من الجنَّة، وسيستمرُّ الأذانُ خالدًا إلى يومِ الدِّين، وسوف يهب اللهُ هذه الأرض السعوديَّة المُباركة خيرَ الأئمةِ والمؤذِّنِينَ.


