.. في عام 1344هـ - 1926م، عقد الملك عبدالعزيز اجتماعًا في مكَّة المكرَّمة لممثِّلي الدُّول الإسلاميَّة.
وكان اجتماع مكَّة أوَّل مؤتمر إسلاميٍّ في ظلِّ حالة التشتُّت والتَّشرذم التي يعيشها العالم الإسلاميُّ خاصَّةً وهو يعيش تحت وطأة الاستعمار الأجنبيِّ.
في هذا الاجتماع، طالب بمساعدته في خدمة الحرمين الشريفين، فصُدم أنَّ القوم أرخوا رؤوسهم، بعضهم معتذر، والآخر أوصى بالاستعانة بالإنجليز.
هذا الموقف السلبيُّ جدًّا، واجهه الملك عبدالعزيز بموقف حازم جازم، وقال بلغة صارمة جملته المشهورة: «كمَا أمنَّت الحجَّ في السنوات الماضية، سيعينُني اللهُ على تأمينه في السنوات المقبلة... إنَّها مسؤوليتنا..!
*****
.. نعم «إنها مسؤوليتنا» قالها عبدالعزيز قبل اكتشاف النفط، وفي زمن شح المال وقلة الموارد.
نعم «إنها مسؤوليتنا» وتحولت (خدمة الحرمين الشريفين) إلى رسالة عظمى تضطلع بها المملكة بكل فخر واعتزاز.
«خدمة الحرمين الشَّريفين» أخذناها تاجًا على الرُّؤوس ووسامًا على الصدور، وجعلناها خصوصيَّة مكان، وسمو مكانة، وشرف رسالة، ورمزيَّة، كل هذا الفخر في مسمَّانا القياديِّ الأعلى (خادم الحرمين الشَّريفين)..
*****
.. نعم «إنَّها مسؤوليتنا» استشراف إيمانيٌّ من وعد إلهيٍّ لبيته المحرَّم بالأمن ورزق الثَّمرات.
وهي إرثٌ خالدٌ خلَّفه الملك عبدالعزيز لأبنائه من بعده، وخلفه لنا نحن أبناء هذا الوطن العظيم، نعتزُّ به، ونقوم عليها، ونتفانى من أجله..
*****
.. ومنذ ذلك التاريخ.. من زمن ما قبل النفط، وإلى يومنا هذا، والمملكة تنفق بسخاء ضخم جدًّا جدًّا، وبأرقام فلكيَّة على الحرمين الشَّريفين، والمشاعر المقدَّسة، وتحتشد بكل طاقاتها البشريَّة والماديَّة لخدمة الحاجِّ والمُعتمر والزَّائر، ولأجل حجٍّ آمنٍ مطمئنٍ ومُيسَّرٍ.
لكن في المقابل، فإنَّ أولئك الذين في قلوبهم مرض، لم يتركوا ملجأ، أو مدخلًا، أو مغاراتٍ إلَّا دخلُوا إليها؛ في محاولة للعبث بأمن الحجِّ وزعزعته، بدءًا من المظاهرات، والمسيرات، والشِّعارات، وإحداث الشَّغب، والتَّفجيرات، واصطناع الأحداث، ووصولًا إلى الحملات الإعلاميَّة المركَّزة والممنهجة والمؤدلجة ضدَّ المملكة؛ بهدف تشويه الجهود، وقلب الحقائق..!
*****
ولم يسلم حتى رجال أمننا في الحرمين الشريفين من التعدي والاستفزاز والشتم وافتعال الأحداث ضدهم.
إلا أن رجال أمننا البواسل رغم الجهود المضنية والشموس الحارقة والحشود الضخمة بمختلف جنسياتهم وثقافاتهم ولغاتهم نجدهم دائما ثابتون لا تهزهم الريح ولا تحركهم المواقف ويتعاملون مع الحجاج والمعتمرين بمهنية وانسانية عاليتين انطلاقا من روح الواجب وسمو الرسالة..
*****
.. ويأتي ريان سعيد العسيري، ليقدِّم نموذجًا بطوليًّا نادرَ الحدوث في هذا الزَّمن، بطل يقدِّم روحه على كفَّيه، ويُلقي بها في مهبِّ الرِّيح، من أجل إنقاذ روحٍ أُخْرى.
أيُّ بسالة هذه؟ وأيُّ سموٍّ روحيٍّ وأخلاقيٍّ ومهنيٍّ هذا؟
إنَّها قدسيَّة مكان، وإنسانيَّة إنسان، وأصول فارهة نبتت في منابت وطن عظيم.


