في الأزمنة المُعتمة، لا يدخل الشيطانُ المدنَ من بواباتها العالية، بل يتسلَّل عبر عقول وصدور إِمَّعات فقدُوا البوصلة، وارتضُوا أنْ يكونُوا مفاتيحَ للشرِّ والخراب. أولئك هم وكلاء الشيطان؛ لا يملكُونَ وجوهًا حقيقيَّةً؛ لأنَّهم يغيِّرُونَها مع تغيُّر المموِّل، ولا يحملُونَ راياتٍ ثابتةً؛ لأنَّ الريح هي عقيدتُهم الوحيدة يميلُون حيث تميلُ.
هؤلاء لا يخونُون الوطن دفعةً واحدةً، بل يفتِّتُونَه، يبدأون بتمزيق المعنى، ثمَّ يعبثُون بالذَّاكرة، ثمَّ يطلقُونَ الدَّم في الشَّوارع وهم يتحدَّثُون عن الخلاص، يبيعُونَ الجغرافيا تحت مُسمَّى القضيَّة، ويقايضُونَ السيادة بوَهَم الزَّعامة، ويقنِعُونَ البسطاءَ أنَّ النَّار طريق النَّجاة.
الشيطانُ الأكبر لا يحتاج إلى جيوش، حين يجد مَن يقوم بالمهمَّة نيابةً عنه، يصنع وكلاءَه بعنايةٍ قذرةٍ، يزرع فيهم الغرور، ويسقيهم بالمال، ويغلِّفهم بخطابٍ أجوفَ عن الحقوق والمظلوميَّة. وحين تكتمل المهمَّة، ينزع القناع، ويتركهم عُراةً في مواجهة التَّاريخ، بلا حمايةٍ ولا كرامةٍ.
في خرائط الجنوب اليمني المنكوب، ظهر عيدروس الزبيدي، واحدًا من هؤلاء كظلٍّ متحرِّك، وخرج كقائدٍ. حُمل إلى الواجهة، لا لأنَّه الأجدر، بل لأنَّه الأيسر استخدامًا. أُلبس ثوب القضيَّة، بينما كان يؤدِّي دور الأداة. تحرَّك حيث أُشير له، وصمتَ حيث فُرض عليه الصَّمتُ، وترك خلفه وطنًا أكثر انقسامًا، ودمًا أكثر غزارةً، مقابل وعود تشبه السَّراب: تُرى من بعيد، وتتبخَّر عند الاقتراب.
وكلاء الشيطان لا يفهمُونَ أنَّ الكراسي التي تُمنح من الخارج، تُسحب من الدَّاخل. وأنَّ السلطة التي تُبنى على أنقاض الوطن، لا تصمد؛ لأنَّ الأنقاض لا تحمل عروشًا. وحين تنتهي صلاحيتهم، يُكتشف أنَّهم لم يكونُوا صُنَّاع حدث، بل هامشًا في مخطط، وتفصيلًا صغيرًا في جريمة أكبر.
التاريخ لا يرفع صوته، لكنَّه لا ينسَى. يسجِّل بهدوء أسماء مَن فتحوا الأبواب، ومَن أشعلُوا الحرائق، ومن دلُّوا الغرباء على غرف النَّوم في بيوتهم. ثم يُغلق الصفحة، ويمضي. وتبقى الأوطان، مثخنةً بالجراح، لكنها حيَّةٌ. ويسقط الوكلاء، بلا قبور رمزيَّة؛ لأنَّ الخيانة لا تُخلَّد، بل تُستَخدم ثمَّ تُمحَى.. هولاء المطايا يستخدمُونَ كما تستخدم الأحذية في المراحيض. لأنَّهم أدواتٌ قذرةٌ لإنجاز مهام قذرةٍ، ثمَّ يُلقَى بهم في مزبلة التاريخ، بعد أنْ تتلطَّخ وجوهُهم بالخيانة، فلا يجدُونَ إلَّا الازدراء بدل الوعود، والنِّسيان بدل العُروش.


