Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

عندما تنكأ الجراح

A A
ليس من المُستغرَب أنْ ينتقلَ الكاتبُ من موضوع إلى آخرَ مختلف، أو حتَّى مُتناقض تمامًا مع ما طرحه سابقًا؛ ففي هذا التَّباين تظهر إنسانيَّة الكاتب وتفاعله العميق مع الأحداث المُحيطة به من كل جانب. الكتابة، في جوهرها، انعكاسٌ مباشرٌ لتناقضات الحياة التي تدفع الجميع -وليس الكُتَّاب فقط- إلى تقلُّبات كبيرة في المشاعر. ولكنْ لأنَّ الكاتب واعٍ بهذا التَّناقض، ويشعر بثقل ما يمرُّ به، فإنَّه يستطيعُ أنْ يفرِّغ تلك المشاعر المتضاربة في صورة كتابة، سواء أكانت مقالةً، أو قصةً قصيرةً، أو روايةً، أو حتَّى قصيدةً. بذلك، يخفِّف عن قلبه المُثقل بالجراح وطأة هذه الحالات المُتداخلة، التي يجد نفسه فيها دون إرادة منه.

لهذا السَّبب، لا عجبَ أنْ أتناولَ في مقال سابق موضوع الحُبِّ، ثمَّ أتبعه في الأسبوع التالي بمقالٍ عن الموت، ذلك الغائب الحاضر بقوَّة، الذي ينتزعنا فجأةً من أعماق الطمأنينة والأمان.

كثيرًا ما يتجاور الحُزن والفَرح في حياتنا: فقد نجد أنفسنا في عزاء أحد الأصدقاء، ثمَّ نُضطر لحضور حفل زفاف لصديقٍ آخرَ، فنشعر بثقل الانتقال السَّريع بين حالتَين متناقضتَين، وكأنَّنا نُجبِر مشاعرنا على التحوُّل بشكلٍ مفاجئٍ وخاطفٍ.

ربَّما تكمن صعوبة هذا التحوُّل بالنسبة لي، في أنَّ جراحي لا تزال نازفةً؛ فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، لم تلتئم هذه الجراح، بل تتجدَّد مع كلِّ حزنِ يمرُّ به الآخرُونَ. أعيشُ ذات الألم، عندما أرى الحزن يغلِّف عيون ذوي الرَّاحلين، أو الألم المكبوت في صدور الأُمَّهات المكلومات، أو الأبناء الذين فقدُوا أحدَ والديِهم، خصوصًا إذا كان الفَقْدُ فجائيًّا؛ بسبب حادث سيرٍ. وعندما يخطف الموت زهرة يانعة، يتحول الألم إلى ركام أسود، ونصل حاد يمزق القلوب، ويعيد فتح الجراح القديمة، أو يحدث جراحًا جديدة.

في تلك اللَّحظات، تعجزُ الكلماتُ عن التَّعبير، فلا تجد ما تقوله أو تفعله، فتلوذ بالصَّمت المهيب؛ احترامًا للحزن العميق المُتغلغل في صدور أهل العزاء. عندها، يسكتُ الكلامُ ويتحدَّثُ الحزنُ بصمتٍ مهيبٍ.

تتجدَّد جراحي، وتفيض ذكريات تلك الحوادث التي أخذت منَّا أعزَّ الأحبَّة، ومع كلِّ جرحٍ يُفتح في قلوبنا التي عرفت الحزنَ العميقَ مبكِّرًا، تعود الدُّموع لتنساب بغزارةٍ.

لم أكنْ أشعرُ بهول المصيبة، عندما جرت دُموعي وأنا أتنقَّل في عتمة اللَّيل وظُلمةِ المجهول، الذي طرق بابي في منتصف ليلة رحيلِ والديَّ، من الطمأنينة إلى غياهبِ الأحزان. منذ تلك اللَّيلة، تدفَّقت الدُّموع ولم أكنْ أدرك حجم الكارثة، وفداحة الخسارة: رحيلُ والديَّ معًا في حادث سيرٍ، بعيدًا عن أرض الوطن. لا أعرفُ متى؟ ولا كيف يمكن لهذا الجرح العميق أنْ يندملَ؟

الموتُ يداهمنا كلَّ صباح، سواء كانَ خبرًا نمرُّ عليه دون تأثُّر، أو كان قريبًا منَّا إلى حدِّ أنْ نجد أنفسنا غارقِينَ في مأساته، خصوصًا إذا تشابهتِ الحالةُ مع جراحنا التي نحاول إغلاقها، لكنَّها تأبى إلَّا أنْ تُفتح مع كل تجربةٍ مشابهةٍ لما مررنا به من فَقْد الأحبَّة.

وهكذا تتوالى الأيام، وتزدادُ الجراحُ عمقًا، لكنَّنا رغم كلِّ ذلك نستمدُّ من الألم قوَّةً خفيَّةً تعيننا على تجاوز المحن. فكلُّ مصيبة تترك ندبةً في القلب، لكنَّها تزرع فينا أيضًا قدرةً على الصَّبر والتحمُّل، وتجعلنا أكثر فهمًا لمعنى الإنسانيَّة ومشاعر الآخرِينَ.

يقول محمود درويش: «علَّمنِي جرحُك أنْ أمشِي علَى جرحِي وأكونَ صلبًا بينَ ضُلوعِي». فالجراحُ -وإنْ نزفت- تحملُ في طيَّاتها دروسًا لا تُنسَى، وتجعلنا أكثرَ قدرةً على مواساة الآخرِينَ، واحترام حزنهم ومشاعرهم.

لكلِّ واحد منَّا جراح تُنكأ بين حين وآخرَ، مع ذلك ليس لديَّ نصيحة أختمُ بها هذه المقالة، فلو كان عندي ما ينفعُكم لما كان هذا الكلامُ نزيفًا، ولم تكنْ هذه المقالةُ جرحًا ما زال ينزفُ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store