Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد علي الزهراني

استباحة المشيخة

A A
كانت كلمةُ «شيخ» -ذات يوم- تاجًا لُغويًّا، لا يُتوَّج به إلَّا مَن استوفَى معانيه قبل حروفهِ، صاحبُ علمٍ راسخٍ، أو سيادة قبيلة، أو حكمة مجرَّبة صقلتها السُّنون، وتوافق اجتماعي تُزكِّيه الدَّولةُ، وتضبطه الأعرافُ. لم تكن لقبًا يُمنَح، بل منزلة تُنَال، ولا صوتًا يُشتَرى، بل مقامًا يُحتَرم.

ثمَّ ابتُلِيَت الكلمة بزمن الاستباحة. خرجت من محرابها الوقور، إلى أسواق الضَّجيج، وصارت على ألسنةِ مشاهير الفلس، والمتملِّقِين عملةً رخيصةً، تُصرَف مع كلِّ ظهور، وتُلصَق بكل مهايطٍ متصدِّرٍ، مقابل حفنةِ ريالاتٍ أو فلاش سناب.. هكذا تجرَّدت من هيبتها، وأُفرغَت من معناها، حتَّى غدت تُقَال بلا وزن، وتُسمَع بلا أثر.

إنَّ أخطر ما في هذا العبث، ليس تزوير الألقاب فحسب، بل تمييع القِيم، حين يُساوى بينَ العالِمِ والدَّعيِّ، وبينَ الحكيمِ والطارئِ، وحينَ يُقدَّم الصَّخب على السَّكينة، والتَّلميع على الاستحقاق. فالألقابُ حين تُمنَح بغير حقٍّ، لا ترفعُ مَن حازها، بل تُسقِط مَن منحها، وتُسهِم في خراب الذائقةِ العامَّة.

فالدَّولة، بوعيها العميق لأهميَّة هذا اللقب، وضعت له ضوابط محدَّدة، تحفظهُ من الابتذال، وتجعلهُ حصنًا لا يتجاوزه إلَّا أهلُه من ذوي المكانة العلميَّة، أو الاجتماعيَّة المرموقة، أو مَن يتولُّونَ مهامَّ جليلةً تستدعي هذا الاحتفاء. كان «الشيخ» منارةً تهتدِي بها القبيلةُ أو الجماعةُ، ومرجعًا لحلِّ النزاعات، وكانَ الشيخُ المؤهَّلُ شرعيًّا مرجعًا للفتوى، يقود النَّاس بعلمه ووقاره إلى العبادة، وعمل الخير.

لذا يجب أنْ تبقى كلمة «شيخ» عصيَّةً على الإفلاس، مهما حاول العابثُونَ استهلاكها؛ لأنَّ المعاني الكُبْرى لا تموتُ، لكنَّها تعتزلُ مؤقَّتًا حتَّى تجد مَن يستحقها. وحين يعود الوقار إلى اللِّسان، ويعود الميزانُ إلى القِيم، ستنهضُ الكلمة من جديد... لا على شفاهِ المهايطِينَ، بل على جبين من صانها فعلًا، قبل أنْ ينطقها لقبًا.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store