بعد زيارة رضا بهلوي (ابن شاه إيران، الذي خلعه الخميني) لحائط المبكى (حائط البُراق الإسلامي الذي تحتلُّه إسرائيلُ) في القُدس الشَّريف، وَوَضْعِ يديه عليه، وارتدائه لقُبَّعة الكيبوه اليهوديَّة، كدليلٍ على خضوعه المُهِين والكامل لإسرائيل، وخلال خطابه الذي وجَّهه للشعب الإيرانيِّ، قال إنَّه حال سقوط النظام الإيرانيِّ الحاليِّ فإنَّه سيعترفُ بإسرائيل، وسيعقد معها اتفاق «كوروش» الشَّبيه باتفاقات أبراهام، التي عقدتها إسرائيلُ مع بعض الدول العربيَّة والإسلاميَّة!.
و»كوروش» هو الإمبراطورُ الفارسيُّ الذي وحَّد «فارس»، وأسقط مملكة «بابل» قبل ميلاد المسيح -عليهِ السَّلامُ-، ويحبُّه اليهودُ حُبًّا جمًّا؛ لأنَّه أنقذَ أجدادَهم من السَّبي البابليِّ على يد الملك نبوخذ نصر، وسمح لهم بالهجرة لفلسطينَ، وأَذِنَ لهم ببناء الهيكل الثَّانِي، ويُسمُّونَه مسيح الربِّ؛ لأنَّه ساعدهم رغم أنَّه ليس يهوديًّا، بصفتهم شعب الله المختار، حاشاه عزَّ وجلَّ أنْ يختارَ قتلةَ الأطفالِ وغسلةَ الأممِ شعبًا له من دون النَّاس!.
وكما هي اتفاقات أبراهام مُجحِفة، كذلك هو اتفاق كوروش، فالأُولى سُمِّيت باسم النبيِّ إبراهيم -عليهِ السَّلامُ- وهُو منها بَرَاءٌ، على أساس أنَّ العرب هم أبناء عمومة اليهود؛ لأنَّهم من نسل إسماعيل، ابن إبراهيم -عليهِمَا السَّلامُ-، بينما اليهودُ هم من نسل يعقوب ابن اسحاق ابن إبراهيم -عليهِم السَّلامُ-، وأنّ على أبناء العمومة أنْ يعقدوا السَّلامَ بينهم، ولكنْ دون أنْ يُعيد اليهودُ حقوقَ العربِ لهم، وهذا ليس بسلام، بل حروب مستمرَّة، فمن يسرق لا بُدَّ وأنْ يُعيدَ ما سرقه؛ كي يحلَّ السَّلامُ، فضلًا عن كوْن إبراهيم -عليهِ السَّلامُ- حنيفًا مسلمًا، ولم يكنْ يهوديًّا، ولَا نصرانيًّا، بنصِّ القرآن الكريم.
أمَّا اتِّفاق كوروش، فهو هبة ممَّن لا يملكُ يهبُها لآخرَ مثله لا يملكُ، فكوروش لم يكن يملكُ شبرًا من الأراضي الفلسطينيَّة، فكيف يُعيدُ اليهود لأراضي ليست ملكهم؟ وهو يشبه تمامًا ما فعله وزير الخارجيَّة البريطاني بلفور في القرن الماضي، حين وهبَ اليهودَ وطنًا بديلًا عن أوروبا في الأراضي الفلسطينيَّة التي لا تمتلكُهَا بريطانيا، وإِنَّما احتلَّتهَا إثر انهيار الدولةِ العثمانيَّة المُسلمةِ!.
وابنُ الشاه المخلوع، مُذاكِرٌ جيِّدُ للتَّاريخ، ويعلمُ -عِلْم اليقين- أنَّه لا سبيل لعودته امبراطورًا على إيران إلَّا بدعم الإدارة الأمريكيَّة الرَّاعية للمصالح الدائمة لإسرائيل، وبتقمَّص دور كوروش، وفي حالة نجاحه، فإنَّ المنطقة العربيَّة ستكون في خطرٍ أشدَّ، وهي قد كانت في خطر عندما تضاربت مصالح النِّظام الإيرانيِّ الحاليِّ مع مصالح إسرائيل، فكيف سيكون الخطرُ عندما تتلاقَى مصالح إيران كوروش الجديدة، ومصالح إسرائيل، التي تسعى لأن تكون كُبْرى على حساب الدُّول العربيَّة؟!.
ومنطقتنا لا تحتاج لاتفاقات أبراهام، ولا اتِّفاق كوروش، وبلا كوروش، وبلا موروش، إنَّها جميعًا كروش ومواعين للشَّرِّ، وإنْ كان هناك من اتِّفاقٍ عادلٍ، فهُو حلُّ الدَّولتَين الذي تطالب به المملكة العربيَّة السعوديَّة، وكفى به إنْ كان العالم يريدُ خيرًا لمنطقتنا الواقعة على فوَّهة بركان، عساه من الخَامدِينَ.


