في المدينة المنوَّرة، حيث التاريخ القديم والحديث، وحينما يصنعُ العملُ الصامتُ أثرًا أبقى من الضَّجيج، برزت شخصيَّات نسائيَّة أسهمت في بناء المجتمع المدينيِّ من جذوره، ومن بين هذه الشخصيَّات، تأتي الدكتورة بارعة بهجت خجا، أكاديميَّة وإداريَّة وتنمويَّة، شكَّلت خلال السنوات الماضية نموذجًا للقيادة الهادئة، التي تعتمدُ على الكفاءة والتجربة والوعي، لا على الأدوار الشكليَّة، أو الظهور الإعلاميِّ.
وُلِدَت بارعة خجا في المدينة المنوَّرة، التي كوَّنت شخصيَّتها، ورسمت وعيها المبكِّر تجاه التَّعليم والعمل المجتمعيِّ، حيث كانت مؤمنةً بأنَّ الطَّريق الحقيقيَّ للإنجاز يبدأُ من العلم، وهذا ما انعكس في مسارها العلميِّ القويِّ، حيث حصلت على بكالوريوس العلوم والتربيَّة تخصص علم الأحياء من جامعة الملك عبدالعزيز عام 1997، ثمَّ واصلت إلى درجة الماجستير في مناهج وطرق تدريس العلوم عام 2002، وصولًا إلى الدكتوراة من جامعة طيبة عام 2016 في التَّخصُّص ذاته، وهذا التَّسلسل العلميُّ يعكس شخصيَّة لا تؤمنُ بالتوقُّف، ولا تكتفِي بالموجود.
دخلت ميدانَ العمل مبكِّرًا في مواقع تتطلَّب مسؤوليَّة وإدارة، وعملت بين عامي 2000 و2009 في الشركة العالميَّة للتَّعليم والتَّدريب، متنقِّلةً بين مواقع قياديَّة، أوَّلًا كمديرة لفرع المدينة المنوَّرة، ثمَّ كمديرةٍ إقليميَّة للمنطقة الغربيَّة والشماليَّة، كانت تلك السنوات مصنعًا لخبرتها الإداريَّة، فقد تعاملت فيها مع التَّدريب، وتطوير البرامج، وإدارة الفرق، والتَّنسيق بين الفروع؛ ممَّا منحها مهارات قياديَّة عمليَّة لا تُكتسب من الكتب وحدها.
وفي فضاء العمل المجتمعيِّ، تولَّت قيادة جمعيَّة طيبة النسائيَّة للتنمية الاجتماعيَّة بين عامي 2009 و2013، كرئيسة للَّجنة الانتقاليَّة، وكمديرة تنفيذيَّة، في تلك المرحلة، أسهمت في تحويل الجمعيَّة من عمل تقليديٍّ إلى نموذج أكثر تنظيمًا، حيث قادت تأسيس النِّظام الإداريِّ والإلكترونيِّ للجمعيَّة، وعملت على تفعيل برامج متخصِّصة للمرأة والطفل والأُسرة، وكان دورها محوريًّا في تعزيز العمل المؤسسيِّ داخل الجمعيَّة، كما تولَّت بين عامي 2008 و2010 رئاسة لجنة فتيات الأعمال في الغرفة التجاريَّة بالمدينة المنوَّرة، وهو منصبٌ يكشف جانبًا آخرَ من شخصيَّتها في دعم ريادة الأعمال النسائيَّة، وفتح الفرص، وربط الشَّابات ببيئة اقتصاديَّة متنامية.
أمَّا التحوُّل الأبرز في مسيرتها المهنيَّة؛ فجاء مع التحاقها بجامعة الأمير مقرن بن عبدالعزيز، حيث تشغل اليوم منصب نائبة رئيس الجامعة للشؤون التنفيذيَّة، وتؤدِّي دورًا محوريًّا في الإدارة العُليا وصناعة القرار المؤسسيِّ. وقد أتاح لها هذا الموقعُ القياديُّ الجمعَ بين خبرتها الأكاديميَّة، وخبرتها التنفيذيَّة؛ لتسهم بفاعليَّة في بناء نموذجٍ تعليميٍّ حديث، يرتكز على معايير الجودة والحوكمة، وتطوير الأداء المؤسسيِّ، وتفعيل التعليم القائم على التَّفكير، وربط العمليَّة التعليميَّة باحتياجات الطالب الفعليَّة، وسوق العمل. (إذا كانت المدينة المنوَّرة مدينة القيم والمعرفة، فإنَّ أمثال د. بارعة خجا يؤكدن أن المرأة المدينية قادرة على أن تكون ركيزة من ركائز التطور).


