رغم الانتشار اللَّافت للسيَّارات الصينيَّة في السوق السعوديِّ خلال الأعوام الأخيرة، مدفوعةً بمناسبةِ أسعارها وتنوُّع فئاتِها، إلَّا أنَّ هذه القفزة التجاريَّة السَّريعة كشفتْ عن إشكاليَّةٍ مُقلقةٍ تتعلَّق بخدمات ما بعدَ البيع، وهي الحلقةُ التي يُفتَرض أنْ تكون صمامَ الثِّقة بين المستهلك والوكيل.
فشكاوَى المستخدمِينَ تكادُ تتشابه: طول فترة انتظار قطع الغيار، محدوديَّة مراكز الصِّيانة مقارنةً بحجم المبيعات، وتأخُّر تسليم المركبات بعد الصِّيانة لأيَّام، وربَّما لأسابيعَ. ويزدادُ الاستياءُ حين تتجاوز تكاليف الصِّيانة الدوريَّة الحدود المنطقيَّة، إذ يذكرُ أحدُ الملَّاك أنَّ صيانة 40 ألف كيلومتر لسيَّارة صينيَّة بمحرِّك 1500 سي سي، بلغت نحو 2200 ريال لدى الوكيل، وهو مبلغٌ يوازي ضعفَ تكلفة صيانة سيَّارة ألمانيَّة بست أسطوانات، في مفارقةٍ تطرحُ أكثرَ من علامةِ استفهامٍ.
هذه الظاهرةُ لا تمسُّ فردًا بعينهِ، بل تضربُ جوهر عدالة السُّوق وتوازنها. فالمستهلكُ الذي انجذبَ إلى السِّعر التنافسيِّ عند الشِّراء، يجد نفسه لاحقًا أمام كلفةٍ تشغيليَّةٍ مرتفعةٍ، وخدمةٍ لا ترقَى للتوقُّعات، بما يهدِّد الثِّقة العامَّة في هذا القطاع المتنامي.
من هنا، تبرزُ الحاجةُ المُلحَّةُ لتدخُّل وزارة التِّجارة، ليس بوصفها جهةً رقابيَّةً فحسب، بل كضامنٍ لحقوق المستهلكِ واستدامةِ السُّوق. تدخُّلٌ يبدأ بتنظيم أسعار الصِّيانة الدوريَّة، ووضع أُطرٍ زمنيَّةٍ مُلزمةٍ لتوفير قطع الغيار، والتوسُّع الإجباري في مراكز الخدمةِ بما يتناسبُ مع حجم المبيعات، مع الإعلان الصَّريح عن عقوباتٍ صارمةٍ تطالُ كلَّ وكيلٍ لا يلتزمُ بالنظام.
إنَّ السوقَ السعوديَّ سوقٌ ناضجٌ، والمستهلك فيه واعٍ ومطَّلعٌ، ولا يقبل أنْ تُستغل ثقته تحت أيِّ مبرر. فإمَّا أنْ تُضبط منظومة ما بعد البيع بمعايير عادلةٍ وشفَّافةٍ، أو تتحوَّل الميزةُ السعريَّةُ إلى عبءٍ طويلِ الأمدِ يدفع ثمنَه المستهلكُ وحدُهُ.
[email protected]


