تُعدُّ الأبحاثُ العلميَّة المتعلِّقة بمكَّة المكرَّمة من القضايا الجوهريَّة التي يغفلُ عنها غالبيَّة النَّاس، حتَّى من بين المثقَّفِينَ وحَمَلَة الشِّهادات العُليا. فهذه الأبحاث، رغم أهميَّتها، غالبًا ما تبقى حبيسة دوائر التَّخصُّص، بعيدةً عن اهتمام العامَّة، فلا تصل إلَّا إلى المهتمِّين من الباحثِينَ أو الأكاديميِّينَ.
ورغم أنَّ مكتبتي الشخصيَّة تزخرُ بالكتب التي تناولت مكَّة؛ بقلم رحَّالة ومستشرقِينَ وأدباءَ وكُتَّابٍ، أعودُ إليها كلَّما اشتقتُ إلى مكَّة، إلَّا أنَّني وجدتُ في أبحاث أكاديميَّات مكيَّات من جامعة أُمِّ القُرَى حقائقَ كثيرةً تُصحِّح مفاهيمَ شائعةً يتناقلها النَّاس، وكأنَّها مسلَّمات لا تقبل الجدل أو التَّشكيك.
وفي لقاءات الصالون الثقافيِّ بأدبي جدَّة، استضفنا خلال المواسم المختلفة، الدكتورة لمياء شافعي، التي تناولت ثلاثةَ موضوعاتٍ بالغة الأهميَّة، يجهلها كثيرُونَ: قبَّة زمزم، الصرَّة العثمانيَّة، وعالِمَات من عائلة الفهود. كذلك، استضفنا الدكتورة وفاء المزروع، التي تحدَّثت عن المجاورِينَ في مكَّة.
وفي الموسم الثقافيِّ الحاليِّ، استضاف صالونُ الكلمةِ الثقافي أ.د. لمياء أحمد شافعي، أستاذة التَّاريخ الوسيط بجامعة أُمِّ القُرَى، حيث تحدَّثت عن الأقوام الذين سكنُوا مكَّة قبل ميلاد المسيح -عليهِ السَّلامُ- وحتَّى بعثة النبيِّ محمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- وصحَّحت بعض المعلومات المغلوطة كنتيجة غزوة أُحد.
أوضحت الدكتورة شافعي، أنَّ جيشَ المسلمِينَ في غزوة أُحد كان ألفَ مقاتلٍ، لكنْ بانسحاب عبدالله بن أبي سلول، ومعه ثلاثمئة رجلٍ، خاض الرَّسولُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- المعركةَ بسبعمئة مقاتلٍ فقط. وبرغم قلَّة العدد، حقَّق المسلمُونَ نصرًا حاسمًا في الجولة الأُولَى حتَّى فرَّ جيشُ قريش، وتركُوا أسلحتَهُم. إلَّا أنَّ مخالفة الرُّماةِ لأوامرِ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- ونزولَهم لجمع الغنائم، أخلَّ بتوازن الجيش، فعاد جيشُ قريش، وأوقعَ الهزيمةَ بالمسلمِينَ في الجولة الثَّانية. غير أنَّ قريشًا، رغم إعلانها النَّصر، لم تحسم النتيجة لصالحها، إذْ بقي رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وصحابتُه في أرض المعركة، وهذا دليلٌ على أنَّ الهزيمة لم تكنْ من نصيب المسلمِينَ، فالعُرفُ العربيُّ أنَّ المهزومَ يغادرُ والمنتصرَ يبقَى.
كما صحَّحت مفهومًا راسخًا حول الوضع الاقتصاديِّ للنبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- وأكَّدت أنَّ ما يُشَاع عن فقرِهِ المدقع غيرُ صحيحٍ، فهو من سلالةِ النَّسبِ والحَسَبِ في مكَّة، وابنُ كبيرِ ساداتِهَا.
مثل هذه اللقاءات الثقافيَّة، تُسهم في تصحيح كثيرٍ من المفاهيم المتعلِّقة بتاريخنا، وديننا، ومدينتنا المقدَّسة مكَّة المكرَّمة. وهناك العديدُ من الأبحاث القَيِّمة التي أنجزها أبناءُ وبناتُ الوطن، لكنَّها بقيت ضمن نطاق المجلَّات العلميَّة، أو المؤتمرات المتخصِّصة التي لا يحضرها إلَّا المهتمُّونَ، وغالبًا لا يُمنح الباحث وقتًا كافيًا لعرض نتاجه العلميِّ بشكلٍ وافٍ.
ولا شكَّ أنَّ الجامعة هي منارة المجتمع، تضخُّ في شرايينه العقولَ النَّابغة، والكوادرَ المؤهَّلة؛ لتولِّي المهامَّ الإداريَّة والطبيَّة، والمناصب العُليا، وتسلِّط الضوءَ على القضايا التي تنهض بالمجتمع عبر الدِّراسات والأبحاث العلميَّة التي تنتجها العقولُ المبدعةُ فيها. كلُّ ما سبق يضعُ الجامعة في مكانةٍ رفيعةٍ، كما هو شأنها وشأن منسوبيها، خاصَّةً وهي تعقدُ الملتقيات والمؤتمرات العلميَّة والثقافيَّة، التي تهدفُ إلى إحداث حِراكٍ مجتمعيٍّ، وتوسيعِ دائرة البحث العلميِّ. إلَّا أنَّ بعض الجامعات تبدُو منغلقةً بشكل مبالغ فيه على طلابها وكوادرها؛ ممَّا أدَّى إلى فجوةٍ عميقةٍ مع المجتمع الذي لا يستطيع دخولها إلَّا إذا كان موظَّفًا، أو طالبًا، أو ضمنَ الهيئة التعليميَّة، أو له علاقة مباشرة بها.
وقد حدث أنْ التقيتُ بأستاذٍ زائرٍ من إحدى الجامعات العريقة في بريطانيا، حيث أبدى دهشتَه من الأسوار العالية، ونقاط الأمن الكثيرة التي تُحيط بجامعة الملك عبدالعزيز، رغم كونه مدعُوًّا رسميًّا من قِبل الجامعة. قال لي يومها: «ينبغِي أنْ تكون الجامعة مفتوحةً أمام المجتمعِ، فكلُّ مَن يرغب في حضورِ محاضرةٍ يجب أنْ يكون قادرًا على ذلك، هكذا هي الجامعة التي جئتُ منها».
إنَّ مسؤولية الجامعة لا تقتصر على التعليم والبحث العلمي فقط، بل تتعداها إلى الانفتاح على المجتمع ومشاركته المعرفة، لتكون بحق منارة للتنوير والتغيير الإيجابي. فكلَّما زاد التواصل بين الجامعة والمجتمع، تعزَّزت قِيمُ المعرفة، وانتشرت ثمارُ الأبحاث العلميَّة؛ لتعمَّ الفائدةُ على الجميعِ.


