Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. ساري بن محمد الزهراني

عبث وسخف..!!

سديم

A A
* البهرجة الزَّائفة.. أصبحت من أبرز العناوين العريضة التي استولت على كثير من الناس هذه الأيام، في أغلب شؤون حياتهم العامَّة والخاصَّة.

* وهذا البهرج الزَّائف -كما يصفه المفكِّر الكبير عباس محمود العقاد- وهجٌ في النظر، وفرقعةٌ في الأذن، ولذعٌ في الحسِّ، وتهيُّجٌ في الشعور. فما أكثر ما نرى هذا البهرج (الزَّائف) بوهجه، وفرقعته، ولذعته، خاصَّة في ظلِّ ما يحفل به واقعنا من تعدُّد مواقع التواصل الاجتماعيِّ وأدواتها وبثوثها، حتى استحال إلى (عبث.. وسخف!!) طال الكبيرَ والصغيرَ، فاستولى على العاقل والجاهل، وبسط نفوذه على الرِّجال والنِّساء على حدٍّ سواء، وهو ينسلُّ بخفاء في الكثير من الاجتماعات، والمحافل، والاحتفالات، والمحاضرات، والندوات، وانساب خِفيةً إلى بيوتنا، ومجالسنا، وغرف نومنا..!!

* إنَّ نزوَ الشهرة، وحبَّ الظهور، مع ضحالة الفكر، وانعدام الوعي غدت آفةً من آفات هذا العصر، فطالتها بالتَّبديل والتَّزييف والسُّمعة والرِّياء، حتى استحالت إلى مكوِّن من مكوِّنات أطوار الحياة الفرديَّة والاجتماعيَّة هذه الأيام.

* إنَّ الرغبة في لفت الأنظار، وشبق الشهرة بأساليب تشمئزُّ منها النُّفوس والعقول، مدعاةٌ إلى سيل من التهكُّم والسُّخرية، والفكاهة والتندُّر؛ لأنَّها خروج عن طبائع الإنسان السويِّ، وفق سلوك يقوم مقام الحالة التي لا مسوِّغ لها، سوى مجرَّد المخالفة على نمط مَن ينشد الخلاف، ويشدُو بالشذوذ، وهذا نمطٌ يستطيع عليه كلُّ مَن صنع بساطًا؛ لإسقاط كرامته، وتبذُّله، وامتهان نفسه.

* فالرغبة في لفت الأنظار -أحيانًا-، قد نقبله من الطَّفل الصَّغير، كما نقبله من الشَّاب اليافع؛ ولكنَّنا لا نستطيع قبوله واستساغته من الرَّجل الكبير، والمرأة الكبيرة.

فنحن نقبل من الطِّفل كثيرًا ممَّا يصدره من حركات ونشاط، ونستزيد منه ذلك؛ لأنَّه إحساسٌ مفعمٌ ببراءة، ومستجيشٌ بحرارة الحياة. وقد نقبل -أحيانًا- من الشَّاب اليافع ما يختمره من طفرة مشبعة بالحيويَّة والقوَّة.

أمَّا أنْ يأتينا عبر مواقع التواصل رجلٌ قد ألبسته الحياة تجاعيدها؛ للفت نظر المتابعين والمتابعات، فذاك سلطان المراهقة الطَّائشة التي ذهبت مع زمانها، وتولَّت مع أيامها.

أو أنْ تأتينا امرأةٌ كبيرةٌ، وقد باشرتها حبال من الكِبر والترهُّل من جميع أركانها ومفاصلها، لتجميع قواها لتنافس بها روح الشَّباب بنظارته وحيوِّته وقوَّته.. فذاك محالٌ في عُرف الحياة، وعُرف أهل الطبِّ والطبابة.

* علينا أنْ نعي.. أنَّ لكل عمر قوامَ حياته، ومباخرَ بهجته، وسلطانَ زمانه.. فلتكن حياتنا أسيرةً لمكامن تلك القوائم ومقوِّماتها بموضوعيَّة دون أنْ نتجاوزها.. فمتى ما سعينا إلى غير ذلك، فقد غدونا سخرةً للساخرين، وموطئ ضحك للضاحين، بما يسع مسرحًا من مسارح الضحك عند شارلي شابلن..!!

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store