ماتتْ أُمِّي، والموتُ حقٌّ، رحلتْ فانطفأ الضوءُ الذي كنَّا نراهُ دون أنْ ننتبه لوجوده، وسقط السَّقف الذي كان يحمينا من قسوة الحياة، ماتت، فصارَ البيتُ ضيِّقًا حدَّ الاختناقِ، وصار الصمتُ أثقلَ من الكلام، وصار الزَّمنُ يمشي متعثِّرًا كمن فقد وجهته.
في أيَّامها الأخيرة، كانت تذبلُ كلَّ يومٍ، ونحن نذبلُ معها بصمتٍ.
المرضُ نهش جسدَها الطَّاهر بلا رحمةٍ، وكان كلُّ وجعٍ يمرُّ بها يتركُ في قلوبنا جرحًا لا يُرى. كنَّا نراها تضعف، وتذبل، وكأنَّها كانت تُهيِّئ روحها للرَّحيل، وتشعرنا أنَّ الفراقَ قادمٌ لا محالة.
كم كان قاسيًا أنْ نراقب أُمَّنا وهي تتألَّم ولا نستطيعُ أنْ ننتزع عنها وجعًا واحدًا.
كم كان موجعًا أنْ نبتسمَ لها؛ لنخفيَ خوفَنَا، وأنْ نغادرَ الغرفةَ ونحن نرتجفُ خوفًا من أن تكون تلك النَّظرة هي الأخيرة.
كانت تحاربُ المرضَ بابتسامةٍ مكسورةٍ، وتُخفِي أنينهَا عنَّا، وكأنَّها -حتَّى وَهِي تموتُ- لا تريدُ أن تُتعبنَا.
ثمَّ جاءَ الرَّحيلُ...جاء فجأةً رغم أنَّنا كنَّا ننتظره، جاء كطعنةٍ غائرةٍ في اعماق قلوبنا، وفجأةً أصبحنا يتامَى.
لمْ يرحل جسدٌ فحسبْ، بل سقطتْ من سماء عمرِي أعظم نجمة، وانطفأ في زوايا البيت السِّراجُ الذي كان يضيءً لنا عتمة الأيام. رحلتِ يا أُمِّي بعد صراعٍ مريرٍ مع المرض، كأنَّكِ كنتِ تعلِّميننا في أيامكِ الأخيرة كيف يكون الصَّبر شامخًا، وكيف يبتسمُ المؤمنُ رغم الألمِ.
لقد غادرتِ يا حبيبتِي، وتركتِ وراءَكِ مقعدًا لن يملأهُ أحدٌ، ورائحةً في أرجاء المنزل تفوحُ بالطُّهر والحَنَان. بالأمس كنتِ بيننَا، نلمسُ يدكِ ونستنشقُ دعاءَكِ، واليوم نلوذُ بالذكرياتِ، نبحثُ عن طيفكِ في تفاصيلنَا الصغيرة، فلا نجد إلَّا غصَّةً في الحلقِ، ودمعًا لا يجفُّ. لقد انكسرَ الظَّهرُ الذي كان يستندُ إليه الجميعُ، وغاب الوجهُ الذي كان يختصرُ معاني الأمان.
وفي قلب هذا الحزن الأسود، وقفتْ أَخواتِي كشموعٍ احترقتْ؛ لتضيء طريقَ أُمِّنا في أيامها الأخيرة.
تعبنَ حدَّ الانكسارِ، سهرنَ حين طالَ الليلُ، احتملنَ ثقلَ المرض والخوف والفَقْد قبل وقوعه، ولم يتراجعنَ.
كُنَّ أيدي الرَّحمة، ووجوهَ الصَّبر، ودرسًا نموذجيًّا حيًّا في البِّرِّ. ما قدَّمنه لا يُكتب في سطور، بل يُرفَع إلى السَّماء ويُوزَن عند الله. أمَّا أنَا، فأقفُ اليومَ أمامَ هذَا الفَقْد يتيمَ الشعورِ، حافيَ القلبِ، لا أملكُ إلَّا أنْ أرفعَ يدي إلى السَّماءِ وأقولُ:
اللَّهُمَّ إِنَّ أُمِّي قدْ نزلتْ بِكَ وأنتَ خيرُ منزولٍ بهِ، وأصبحتْ فقيرةً إلى رحمتِكَ وأنتَ غنيٌّ عن عذابِهَا. اللَّهُمَّ إنَّها فِي ذمَّتِكَ وحبلِ جوارِكَ، فَقِهَا فتنةَ القبرِ وعذابَ النَّارِ، اللَّهُمَّ اجعلهَا من السَّبعين ألفًا الذينَ يدخلُونَ الجنَّة بلَا حسابٍ ولا سابقِ عذابٍ.
اللَّهُمَّ إنَّك أنت أهلُ الوفاءِ والحق، فاغفر لهَا وارحمهَا يا غفورُ يا رحيمُ.
اللَّهُمَّ إنَّ قلبي مكسورٌ لا يحتملُ، فأجبرهُ برحمتِكَ يَا رحيمُ.


