Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد علي الزهراني

غياب الخميس والتحول عن بعد

A A
في ملكوتِ التَّربية، ليس الوقتُ مجرَّدَ دقائقَ تُحصَى، بل هو مِحرابٌ تُصَاغُ فيه الهويَّة، ورَحِمٌ تُولَدُ فيه الأمجادُ. وإنَّ أشدَّ ما يوهِنُ صَرْحَ الأُمَّة هو ذلك «التَّراخي» الذي يتسلَّلُ إلى مفاصلِ الجدولِ الدراسيِّ، حين يُستباحُ يومُ الخميسِ، ويُقدَّمُ قُربَانًا على مذابحِ الرَّاحةِ العابرة، ليتحوَّلَ من ذروةِ العطاءِ الأسبوعيِّ إلى «يومٍ مستلبٍ» يُضافُ عسفًا إلى رصيدِ الإجازة، فتغدُو المسيرةُ التعليميَّة كعقدٍ انفرطت حباتُهُ بالغيابِ..

فالانضباطُ في حياةِ النَّاشئة ليس قيدًا يُكبِّلُ طفولتَهم، بل هو «العمودُ الفقريُّ» الذي يُقيمُ أودَ حياتِهم المستقبليَّة.. حين نُعلِّمُ الصغيرَ أنَّ يومَ الخميسِ حقٌّ للمدرسةِ لا يُنازَع، وأنَّ العلمَ لا يقبلُ الشراكةَ مع الكسلِ، فإنَّنا لا نُلقنه درسًا في الرياضيَّاتِ أو اللُّغةِ، بل نغرسُ في وجدانِه «ثقافةَ العهدِ ومبدأ الالتزامِ»..

إنَّ الطفلَ الذي يستمرئُ الغيابَ، بتواطؤٍ من ذويه، يتعلَّمُ -دونَ قصدٍ- أنَّ النظامَ جدارٌ قصيرٌ يمكنُ تسوُّرُه، وأنَّ الواجبَ مطاطيُّ التوقيتِ؛ وبذلك نصنعُ جيلًا «هشًّا» ينهارُ أمامَ أوَّلِ عقبةٍ تتطلبُ صبرًا، وجَلَدًا، وجَسَارةً..

وبما أنَّ التحصيلَ التعليميَّ بناءٌ تراكميٌّ، فالغيابُ المتكرِّرُ يُعدُّ فجوةً في جدارِ المعرفةِ. وكلُّ خميسٍ يُهدَر، هو حلقةٌ مفقودةٌ في سلسلةِ الفهم، فهو يُجبرُ المعلِّمَ على الرَّكضِ؛ لتعويضِ الفائت، أو المضي قُدمًا فوقَ أرضٍ تعليميَّةٍ مهتزَّةٍ.. هذا «النزيفُ الزمنيُّ» يورثُ تشتُّتًا ذهنيًّا، ويجعلُ الطالبَ ينظرُ إلى المدرسةِ كفعلٍ «اختياريٍّ» لا كضرورةٍ وجوديَّةٍ، فتذبلُ هيبةُ العلمِ في عينيهِ، ويضعفُ شغفُه بالتحصيلِ..

ومن وحيِ العصر، ومن منطلقِ الحكمةِ التي تقتضي تطويعَ المتغيرات، يبرزُ مقترحُ «الدراسةِ عن بُعد ليوِم الخميس» كبديلٍ إستراتيجيٍّ يجمعُ بين مرونةِ الزَّمانِ وصرامةِ الالتزامِ. إنَّنا لا ندعُو هنا إلى إجازةٍ مُقنَّعةٍ، بل إلى «تحوُّلٍ في ميدانِ الواجبِ»، وفقَ ضوابطَ حديديَّةٍ تضمنُ أنْ تكونَ المنصَّاتُ التعليميَّةُ ساحةً لا تهدأ، ويُربط الحضورُ بالمشاركةِ الفاعلةِ والاختباراتِ الآنيَّةِ التي لا تقبلُ التَّأجيل، ليعلمَ الطالبُ أنَّ عينَ المنظومةِ ترقبُ عطاءَه، وإن بَعُدَ جسدُه لا يُعفيه من المسؤوليَّة.

ويجب أنْ يتحوَّلَ البيتُ يومَ الخميسِ إلى «محرابٍ علميٍّ» بإشرافِ الأسرةِ، وبما يعزِّزُ في نفسِ الطفلِ أنَّ الانضباطَ نابعٌ من الدَّاخل، لا من رهبةِ جدرانِ المدرسةِ فحسب.

وعلى المدرسةِ أنْ تستثمرَ هذَا اليومَ، وتحوُّله إلى منصةٍ لعرضِ المهاراتِ والمشروعاتِ، بحيث يكونُ «يوم الحصادِ الرقميِّ» الذي يُتوِّجُ جهدَ الأسبوعِ كاملًا.

وعلى المنزلِ والمدرسةِ والمجتمعِ استشعارُ الخطرِ والتَّعاون.. فإمَّا نعيدُ ليومِ الخميسِ هيبتَه، وللنِّظام صرامتَه، وللوقتِ قدسيَّته في وعي الصِّغار، أو نواصل -بصمتِنَا الحالي- صناعة جيلٍ بارعٍ في الأعذارِ، ضعيفٍ أمامَ الواجبِ. ففي هذهِ المعركةِ التربويَّة، لا توجدُ منطقةٌ رماديَّةٌ..

إمَّا انضباطٌ يُربِّى... أو فوضى نشتكِي منهَا لاحقًا، بلا حقٍّ في العتبِ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store