Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
حليمة مظفر

سِعيد السريحي.. مشوار الحياة حين بدأ من «قرنفلة»

A A
تبدُو الحياةُ أمامَ أعيننا «سكَّةً طويلةً» كما صبَّها في أذهانِنَا الصَّوت الشجيُّ «عبادي الجوهر»، لكنَّها عكس ما تبدُو كلَّما غادَرَنا أحدُهُم سريعًا تاركًا أثرَه في ذاكرتنا الإنسانيَّة والثقافيَّة، ومنهم الأديبُ والنَّاقدُ والصَّحافيُّ الكبيرُ سِعيد السريحي الذي انتقل إلى جوار ربِّه -رحمه الله- الأربعاء الماضي، ولم يكن حضوره نمطيًّا كما الكثيرين في المشهد الثقافي، بل كحاطب ليل يبحث عن نار يقلبها، وقد عرفته مثقَّفًا وصحافيًّا منذ سنوات، وأتذكَّرُ حين حدَّثته كصحافيَّةٍ آتيةٍ من بوابة الأدب عام 2013م، إنْ لم تخني الذَّاكرة عن مشروع كتابي (ما وراء الوجوه)؛ ليكون أحد شخوصه ممَّن اخترتُ الكتابةَ عنهم، فاتحًا أبواب ذاكرته أمام أسئلتي، وبين سؤالٍ وسؤالٍ أطرحُه يسافرُ نحو المُمكن وغير المُمكن، ويعود السؤال عن قصَّة الأمس، الذي كان أحد أبطالها.

وقد تنفَّس السريحي الحياةَ عام 1373هـ/ 1953م، ولم تكن داخله صراعات مُعلَّبة كتلك العُلب المهترئةِ النمطيَّة التي عجَّت بها أطراف جُدَّة اللَّزجة -آنذاك- المعروفة بالرويس، حيث سكنها والدُه قادمًا من «ينبع النَّخل» حاملًا بداوته على أطرافها، التي وُلِدَ ونشأ فيها سِعيد، وهو يحكي حكايته ملقيًا ببصرهِ بدهشة الزَّمن «كانت جدَّتي عمياءَ واحتارُوا في تسميتِي بينَ سِعيد وسَعد، فأحضرُوا قرنفلةً إشارةً إلى سِعيد وهيلة إشارة إلى سَعد، وأجرُوا قرعةً بيد جدَّتي التي اختارت القرنفلة»، وهكذا بين تراث «سِعيد» (بكسر السِّين) كما اعتاد أهله مناداته باللَّهجة البدويَّة، وثقافة «سَعيد» في حداثة المدينة، أخرج مؤلفات قيِّمة أبرزها «شعر أبي تمام بين النَّقد القديم والجديد»، و»الكتابة خارج الأقواس»، و»حجاب العادة»، و»تقليب النار على الحطب»، و»سيرة القهوة ..» وغيرها ممَّا نحته بفكرِهِ ووجدانه وأدبه.

سألته حينها عن المدن التي ارتحلها، والإنسان داخله؟ أجابني حينها:

«المُدن غابات مُترهلة»، صمت للِّحظة وأكمل: «أكثر اللَّحظات التي تسعدُنِي حين أعيشُ في غابةٍ حقيقيَّة، وأسمع فيها أصواتَ الحيوانات المختلفة، كزئير الأسد والطُّيور على اختلافها، والحشرات»، سكت للِّحظةٍ ثمَّ قال: «النَّملة أدهشتنِي حينَ رأيتُها تبني بيتًا أطولَ منِّي في إفريقيا».

سعيد الطفل المتفوِّق، كان يدفعه فضوله؛ ليستكشف أطراف المدينة اللَّزجة (الرويس)، وبحجم المساحات المسكونة بالأساطير، وحكايات الجان، خاصَّةً «مقبرة الرويس» بحجم التأمُّل الجامح الذي دفعه طفلًا للأسئلة، وبقيت همَّهُ واشتغالهُ مع سنوات عمره، وكما قال: «تخرَّجتُ في الثانويَّة الثاني على مستوى المملكة»، وهذا ما دفع حينها الصحافيَّ الكبيرَ أحدَ أعمدة الصَّحافة السعوديَّة اليوم «هاشم عبده هاشم»، أنْ يُجري حوارًا معه كطالبٍ متفوِّقٍ، وبعد الجامعة عمل مدرِّسًا، ثمَّ نقلته طموحاته الأكاديميَّة إلى مكَّة المكرَّمة؛ ليعمل مُعيدًا، ثمَّ محاضرًا بجامعتها بعد درجة الماجستير في الأدب العربيِّ، حتَّى استطاع تقديم أطروحةَ الدكتوراة حول التَّجديد في اللُّغة الشعريَّة عند المحدثِينَ بالعصر العباسيِّ، والتي نُوقش عليها ليقروا استحقاقه درجة الدكتوراة، ولكنَّ الجامعة لم تمنحه إيَّاها!.

ومَن منَّا ينسَى أزمة «الحداثة»؟! وينسَى ما ذكره السريحي في برنامج «إضاءات» التلفزيونيِّ للزَّميل العزيز والإعلاميِّ الكبير أ. تركي الدخيل، في قناة «العربيَّة» عن تجربته هذه، ولم تكن رسالته سوى محاولة للبحث عن جذور الحداثة عند القدماء!! وحين سألتُ الدكتورَ السريحي عن قصَّة الأمس هذه، قال: «موقف الجامعة جعلنِي أقوَى من السَّابق»، وكانت جريدة عكاظ المنارة التي فتحت له أبوابَها في ظلِّ أزمته، وتدرَّج فيها صحافيًّا حتَّى وصل نائب رئيس تحرير الشُّؤون الثقافيَّة.

سألتُه حينهَا: ما الصَّوتُ الذي تتذكَّرُه حين عشت احتضار حلمك كأكاديميٍّ له طلابه؟! أجابني: «صوتُ والدِي حينَ قال: أنتَ متأكِّد من اللِّي ماشي فيه؟ قلت: له نعم. قال لي: خليك إذن رجالًا؛ وإذا خوَّفوك الرِّجال لا تقلْ بطَّلت». وصية والده البسيط، كانت معيارًا مهمًّا ليقيم سِعيد موقفه، ويبقى ثابتًا، ويُمسى بطلًا في قصَّة الحداثة.. قصَّة الأمس التي بقي صداها كصوتٍ أم كلثوم، وبقي هو حاطب ليل -رحمه الله- يصنعُ حاضره الذي امتلأ بالكثيرِ من الطلاب المثقَّفِين خارج القاعات الجامعيَّة، واسمًا صامدًا كلَّما «مرَّت الأيام».

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store