تلك حقيقةٌ يقفُ أمامها الإنسانُ عاريًا من أوهامه، مهما تزيَّن بثياب الثَّراء، وتدثَّر بألقاب الوجاهة. فكم من جسدٍ أرهقتهُ الأمراضُ، وهو ينامُ على وسائد الحرير، وكم من صدرٍ ضاقَ بالأنين، وهو يملكُ مفاتيح الخزائن!..
العافيةُ ليست بندًا في عقدٍ تجاريٍّ، ولا سلعةً تُقتنَى من سوق المصالح. إنَّها منحةٌ ربانيَّةٌ، تسكنُ الجسد، وتغادره متى شاء الله.. لا تُساوِم ولا تُجامِل. المالُ يشتري الدَّواء، لكنَّه لا يضمنُ الشفاءَ. يفتح أبواب المستشفيات، لكنَّه لا يفتحُ أبوابَ العافيةِ في الجسد إنْ أُغلقت. وقد رأينا في دنيا النَّاس مَن حشد الأطباء حول سريره، ومع ذلك ظلَّ الألمُ سيَّد الموقف، لا يطردهُ حسابٌ مصرفيٌّ، ولا تهزمه بطاقةٌ ذهبيَّةٌ. وفي المقابل، كم من بسيطٍ محدودِ الدَّخل، يضحكُ بعافيةٍ تفيضُ على وجهه، كأنَّما الصحَّة تاجٌ لا يُرَى إلَّا بعين الرِّضا.
أمَّا الجاه، ذلك الذي تتهافتُ عليه النُّفوس، فليس سوى ظلٍّ مؤقَّت تحت شمسٍ لا تبقى لأحد. يرفع الإنسان في أعينِ النَّاس، لكنَّه لا يرفعه درجةً عن قَدَرهِ المحتومِ. الموتُ لا يقرأُ الألقاب، ولا ينحني للمناصب، ولا يطرقُ الأبواب مستأذنًا أصحاب المعالي والوجاهة، يدخلُ القصور كما يدخل الأكواخ، ويصافحُ الوجوه ذاتها التي كانت بالأمس تتقدَّم الصفوف، وتعتلي المنابر.
مَن يظنُّ أنَّ الجاه حصنٌ منيعٌ، ينسى أنَّ التاريخ مقبرةٌ عظيمةٌ للمتوَّجين. سقطت تيجان، وانطفأت أضواء، وتحوَّلت مواكب إلى صمتٍ طويلٍ تحت التُّراب.
لم يشفع منصبٌ لصاحبه، ولم تؤخِّر الحاشيةُ موعدَ الرَّحيل دقيقةً واحدةً.
إنَّ هذه المقولة ليست دعوةً للزُّهد في السَّعي، ولا تقليلًا من قيمة المال أو المكانة، بل تذكيرٌ صارخٌ بأنَّهما وسيلتَان، وليستا غايتَين، وأداتان ليستا جوهرَينِ. العافيةُ تُصان بالشُّكر، لا بالغُرور. والجاهُ يُختبر بالتَّواضع، لا بالتَّعالي. والحياةُ، بكلِّ ما فيها، تمرُّ كغمامةٍ صيفيَّةٍ، لا يُبقى منها إلَّا الأثرُ الطَّيبُ، والعملُ الصَّالحُ.
فلنقترب من الحقيقة «عن بُعد»؛ نراها واضحةً دون أنْ نخدع أنفسنا بزخارفها. فالمال قد يزخرف الحياة، لكنَّه لا يمدُّها. والجاهُ قد يلمعُ في العيون، لكنَّه لا يبدِّد ظلمةَ القبرِ. وحدها القيم تبقى، وحده العملُ الصَّالحُ يرافق صاحبَه حين تنطفئُ الأضواء، ويُسدل السِّتار. فهل نتَّعظُ، ونتذكَّرُ الموتَ، ونُحسن العملَ، ونحن على أبواب هذا الشَّهر الكريم؟ إنَّها فرصةٌ لمراجعة النَّفس، والاجتهاد في العمل الصَّالح قبل أنْ يداهمنا هادمُ اللَّذات.


