أثار الدكتور توفيق السيف في ذهني العديد من الأسئلة والنقاط الهامة، من خلال مقاله (معالجة العنف بالخطابة)، ورغم اتفاقي مع معظم ما جاء في طرحه الجميل، إلا أنني أستميح أستاذنا العذر في الاختلاف قليلاً حول اصطفافه مع النظرية التي تبرئ الفطرة البشرية من العنف؛ وتتهم البيئة والتربية فقط؛ خصوصاً عندما يقول: «إن العنف بمختلف أشكاله ليس من الطبائع الأصيلة في البشر، بل هو من منتجات البيئة الاجتماعية التي تتسرب لعقل الفرد في مراحل التربية المبكرة أو فترة النضج».
ورغم أن المقال كان يناقش في مجمله جدوى «الخطب» السياسية في علاج ظاهرة الإرهاب، إلا أنه استند إلى فكرة أن العنف دخيل على النفس البشرية وليس أصيلاً فيها؛ وكأنه يتبنى قول بعض الفلاسفة بأن الإنسان يولد «صفحة بيضاء»، وأن المجتمع هو من يلوثها بدماء العنف.. وهي في ظني نظرة «رومانسية» حالمة، لا تصمد أمام حقائق التاريخ والنفس البشرية.. وحتى لو تجاوزنا المنقول الديني، واحتكمنا إلى منطق التاريخ المجرد، وتأملنا (جريمة القتل البشرية الأولى) - أياً كانت أسماء أبطالها- فسنتفق على أنها وقعت في زمن لم تكن فيه (بيئة مجتمعية) أصلاً، ولا مدارس تحرض على العنف، ولا حتى عقائد (متضادة)، ولا فقر مدقع.. بل كان الإنسان وجهاً لوجه أمام شبيهه، ومع ذلك قتله!، مما يؤكد أن بذرة العنف سابقة لوجود المجتمع، وليست لاحقة له!.
أما إن تجاوزنا التاريخ كله، فإن ما تكشف عنه وسائل الإعلام يومياً من فضائح جزيرة (إبستين) من إرهاب مكتمل الأركان، يقف مؤيداً لما نقول.. قد يعترض البعض بأن ما حدث هناك هو (إجرام جنائي) وليس (إرهاباً سياسياً)، والحقيقة أن المسميات لا تغير من جوهر (الشر) شيئاً، فالإرهاب في نهاية المطاف هو انفلات لغريزة التوحش والعدوان، سواء تدثرت بعباءة الدين أو الشهوة، فتلك الجزيرة لم يرتادها جهلة، ولا فقراء، بل (نخب النخب) في العالم؛ ممن توفرت لهم أرقى بيئة اجتماعية وتعليمية.. ومع ذلك، وحين وجدوا مكاناً معزولاً عن سلطة القانون وأعين الرقيب، سقطت عنهم أقنعة الإنسانية، ومارسوا أبشع أنواع العنف الذي تأباه الفطرة السوية، مما يثبت أن «الوحش» كامن في الإنسان ذاته، ولا يخرج إلا حين يغيب الرادع، أياً كانت البيئة التي جاء منها.
الفارق إذن يكمن في الدوافع فقط؛ فالفقير قد يمارس العنف لأجل رغيف أو ثأر أو معتقد، بينما قد يرتكب «المتحضر» أفظع الجرائم لمجرد المتعة المريضة حين يغيب الرادع.. وهذا ما أكده فلاسفة الواقعية وعلم النفس؛ ابتداءً من (توماس هوبز) الذي رأى أن «حرب الكل ضد الكل» هي الأصل في الطبيعة البشرية، مروراً بـ (مكيافيلي)، وصولاً إلى (سيغموند فرويد) الذي يقول بتأصل «غريزة العدوان» في أعماق النفس الإنسانية، و لا يمكن إلغاؤها، بل كبحها في أحسن الأحوال.
بناء على ما تقدم، تتضح وظيفة الدول، والقانون، والأديان، والأخلاق.. وهنا أعود للاتفاق مع الدكتور السيف في أهمية (الخطب) والتوعية؛ ولكن ليس بوصفها «بذوراً» تُلقى في عقول بيضاء، بل بوصفها «مكابح» ضرورية لتقليص الشر في النفوس.. لقد اخترعنا القوانين الصارمة، وعززناها بالمنابر، لأننا ندرك في قرارة أنفسنا أننا لو تُركنا لفطرتنا المجردة دون خوف من عقاب أو حساب، لتحولنا إلى ذئاب حقيقية، ولأكل القوي الضعيف، كما حدث في تلك الجزيرة المشؤومة.
إن الإرهاب والفساد وكل الشرور، ليست نتاج بيئة شجعت على العنف فحسب، بل هي -في المقام الأول- نتاج غريزة دموية وجدت ثغرة في جدار القانون، وغياباً لسلطة الدول الرادعة وما يعززها من وعي، فانفجرت.. وما يجعل الإنسان مواطناً صالحاً ليس «طيبة قلبه» أو «ثقافته الراقية»، بل «هيبة القانون»؛ تلك الهيبة التي تحمينا من أنفسنا، قبل أن تحمينا من الآخرين.


