يعرفُ أهلُ العلمِ أنَّ رمضانَ له ملامحُ كثيرةٌ من أهمها:
أوَّلًا: أنَّه شهرٌ كريمٌ؛ لكنَّه يطير بسرعة، والسَّبب في ذلك، أنَّ النَّاس تلهثُ وتركضُ ما بين فطورٍ وسحورٍ، وهكذا يجري الوقت دون أنْ نشعر به، مثل مَن يركب سيَّارةً وينتظر الوصولَ دون أنْ يتمتَّع بجماليَّات الطَّريق خلال وقت الرِّحلة!
ثانيًا: أنَّه شهرٌ مزدحمٌ باللِّقاءاتِ والمناسباتِ والفعاليَّاتِ، فالنَّاسُ تجتمعُ في أوقات رمضانَ أكثر من أيِّ وقتٍ آخرَ.
ثالثًا: أنَّ وسائل الإعلام، ومنصَّات التَّواصل تنشطُ في رمضانَ نشاطًا محمومًا، وتحاول أنْ تسرقَ انتباهك، وتستحوذَ على وقتك، وهذا ما يُعرَف في العلم الحديث بمفهوم #اقتصاد_الانتباه، وفي ذلك قلتُ:
يُريدُونَ انتبَاهَكَ كُلَّ حِيْنٍ
فَكَيفَ تُجيدُ بَيْعَ الانْتِبَاهِ؟!
بعد كلِّ هذا دعوني أطرح السُّؤال التَّالي: كيف نستثمرُ أوقاتَ رمضانَ؟
لقد توصَّلتُ إلى نظريَّةٍ عرفجيَّةٍ بدأتُها منذ سنواتٍ، واسمُها:
(قوَّة رُبع السَّاعة) وهي تعني أنْ تعطينِي من كلِّ يومٍ رمضانيٍّ فقط ساعتَينِ، وتقسِّمهَا على النحو التَّالي:
- رُبع ساعةٍ تستثمرُها في قراءة القرآن، وإذا كنتَ مثلِي ممَّن يحبُّون الاستماع، تستمع إلى القرآن لمدَّة ربع ساعة.
- رُبع ساعةٍ تجعلهَا للقراءةِ في كتب التَّفسير؛ لأنَّه من غير اللَّائق أنْ تقرأ «غَاسِق إِذَا وَقَب، ونمارق، والعِشار» ولا تعرفُ معانيها!
لذلك؛ من الجيِّد أنْ تُنفقَ ربعَ ساعةٍ في قراءة التَّفسير، وأُفضِّل هنا تفسير شيخنا عبدالرحمن السَّعدي -رحمه الله-؛ لأنَّه مختصرٌ ومفيدٌ.
- رُبع ساعةٍ تستثمرُها في كتبِ الحديث، مثل: «الأربعين النوويَّة»، أو كتاب «زاد الميعاد» لابن القيِّم الجوزي.
- رُبع السَّاعةِ الرَّابعة تنفقُها في قراءة أحد المعاجم اللُّغويَّة، أو القواميس التي تزيد من مفرداتِكَ، وتدعم لُغتَك؛ لتجعلك منطلقًا ومتدفِّقًا في الحديث، وغنيًّا في المفردات.
- رُبع ساعةٍ تتدرَّب فيها على اللُّغة الإنجليزيَّة، وإذا كنتَ ممَّن يتحدَّثُونَها، فهي فرصةٌ للمراجعة، وإذا كنتَ لا تعرفُهَا، فهي فرصةٌ للتَّعلُّم؛ لأنَّ هذه اللُّغة أصبحت أساسيَّة تحتاجها في كلِّ يومٍ.
- رُبع ساعةٍ تقضيهَا في صِلَةِ الرَّحمِ، بمعنَى تأخذ جوَّالك وتقلِّب في الأسماء، وتبحث عن خالةٍ نسيتهَا، أو عمَّةٍ غفلتَ عنهَا، أو صاحبِ فضلٍ عليك، أو رجلٍ كبيرٍ في السِّنِّ يستحقُّ أنْ تتَّصل به، وتُسلِّم عليه، وتهنِّئُه برمضانَ، وتأكَّد أنَّ هذا الفعل سيجعل الطَّرفَ الآخرَ مغمورًا بالسَّعادةِ والسُّرورِ.
- رُبع السَّاعةِ الأخير، وما قبل الأخير تدمجهُمَا ليصبحَا نصفَ ساعةٍ، ثم تنفقهمَا في المشي، وأفضِّل أنْ تمشي عصرًا، وتغرسُ كتابًا صوتيًّا في أُذنِكَ، وهذا الكتابُ الصوتيُّ تختاره بعنايةٍ حتَّى تثريكَ، وأحبِّذُ هنا الكُتب التي تتحدَّث عن المهاراتِ، والقدراتِ، وكيف ننمِّيها، وأُفضِّل هنا قناة «علي وكتاب»؛ لأنَّ الأخ المُبدع عليًّا شابٌّ مجتهدٌ ومستقيمٌ ونظيفُ الفكرِ، وواضحُ الأسلوبِ، وكلُّ كتابٍ يستعرضه في عشر دقائق.
*****
إنَّ رمضانَ ينطلق بسرعة، وإذا لم نواكبه في السُّرعة فسيذهب ويتركنا.
إنَّني في هذه النظريَّة لا أبحثُ عن الأوقات الطويلة، وإنَّما أبحثُ عن الحصص القصيرة، التي تجعل النظريَّة سهلةَ التَّطبيق.
لذلك؛ في هذه النظريَّة أحاولُ أنْ أُسجِّل عدَّة أهدافٍ، وهي على النحو التَّالي:
أوَّلًا- ترسيخ العادة: إنَّني لا أحرصُ على طول مدَّة الفعل، وإنَّما أحرصُ على بناء العادة؛ لأنَّ المهم هنا هو ترسيخُ العادة، وليس طولَ العملِ.
ثانيًا- تحفيز العقل: لأنَّ العقلَ يريد التَّحفيز، ويبحث عن المُدد القصيرة، فإذا علم أنَّ المدَّة فقط رُبع ساعة تحفَّز، وبدأ، وانطلق في التَّنفيذ.
ثالثًا- الارتباط بوقت: فالعقلُ يحب الارتباط بوقتٍ، وكلُّنا نعرفُ أنَّنا في مراحل الدِّراسة كانت الحصَّة مرتبطةً بزمنٍ معيَّنٍ.
رابعًا- صحيح أنَّ المدة قليلة، ولكنَّ العرب تقول في أمثالها:
«القليلُ كثيرٌ» فالقليلُ مع الوقت يصبحُ كثيرًا!
خامسًا- نعم؛ البداية صعبة، عندما تحاول تطبيق هذه النظريَّة، وستتعب في الأسبوع الأوَّل، ولكن بعدها ستكون جزءًا من حياتك، والبداية دائمًا صعبة؛ لذلك تقول العرب:
«العنَاءُ في الابتدَاءِ».
سادسًا- هذه النظريَّة تعتمدُ على مفهومٍ نبويٍّ كريمٍ يقولُ: «خَيْرُ الأَعْمَالِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ»، فالعبرةُ ليست بطول المدَّة، بل العبرة باكتساب عادات حسنة، وترسيخها، والإخلاص فيها.


