Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد البلادي

لماذا تتميز المدينة بخيريتها؟!

A A
لطالما كنتُ أعتقدُ أنَّ محبَّتي الجارفة للمدينة المنوَّرة، هي السَّبب الذي يدفعني لليقين بأنَّ «العمل الخيري» في طَيبة الطَّيبة له طابعٌ وأثرٌ مختلفٌ، وروحانيَّة تغاير ما تشعرُ به في أيِّ مدينة أُخْرى من مدن العالم.. كنتُ أظنُّها عاطفةَ المُحبِّ فقط، حتَّى أكَّد ذلك معالي وزير الموارد البشريَّة المهندس أحمد الراجحي، خلال لقائه الأسبوع الماضي، بقادة القطاع غير الربحيِّ بالمنطقة.

ففي بداية ذلك اللقاء النَّوعيِّ، هنَّأ معاليه العاملِينَ في هذا القطاع المبارك، على الروحانيَّة والخيريَّة التي يعملُونَ في محيطها، وعلى التميُّز الذي قفزَ بمنظَّمات الخير إلى أرقام ومنجزات غير مسبوقة، وهي الأرقام التي استعرضها، وأكَّد دلالاتها الدكتور سمير المغامسي؛ لتأتي كشاهدِ إثباتٍ على أنَّ «الخير» في طَيبة، ليس مجرَّد كلمةٍ إنشائيَّةٍ، بل حقيقة قائمة تجلَّت كنتاج عمل وإتقان وإخلاص.

للأمانة، لم يكن يخالجني شكٌّ في (خيريَّة المدينة)، حتَّى وإن أربكتني بعض الفوارق في أعداد السكَّان؛ وحجم الأموال، مقارنةً بغيرها من المُدن الكُبْرى؛ فنحن في النهاية نتحدَّثُ عن «مدينة النبيِّ الأعظم»، الأرض التي تتضاعف فيها الحسنات، والمَوْطن الذي تشرَّب أهلُه حبَّ الخيرِ منذ أنْ فتحوا قلوبهم وبيوتهم للمصطفَى -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، فكانُوا نعم الأنصار، ولا يزال يُترَجم إلى اليوم؛ كرمًا، وبذلًا، وإنسانيَّةً، يلحظُها كلُّ مَن يزور هذه البقعة النورانيَّة.

لقد رصد المؤرِّخُون والرحَّالة عبر العصور؛ هذه الخيريَّة اللَّافتة، فمنذ القرن السادس الهجريِّ، توقَّف الرحَّالةُ الأندلسيُّ (ابن جبير) مذهولًا أمام دقَّة التَّنظيم الخيريِّ في المدينة، واصفًا أوقافها المخصَّصة للأيتام والمحتاجين بأنَّها مفخرةٌ من مفاخرِ الإسلام.. وهو المشهدُ ذاتُه الذي أبهر المستشرق السويسريَّ (بوركهارت) 1815م، حتَّى ميَّز أهل المدينة عن غيرهم بخصال (النُّبل والسَّخاء)، مؤكِّدًا أنَّ العمل الخيريَّ في المدينة المنيرة هو «إرثٌ مؤسسيٌّ» عميقٌ، يجري في دماء المكان وأهله.

لقد وجدت هذه الخيريَّة، في الدور المحوريِّ والعظيم الذي تقدِّمه الدولةُ السعوديَّةُ المباركةُ منذ نشأتها وحتى اليوم، ممثَّلةً بإمارة المنطقة؛ أرضًا خصبة لتزدهر وتنمو، وما القرب الشديد من صاحب السمو الملكي أمير منطقة المدينة، وسمو نائبه من الجمعيَّات الأهليَّة، وتذليل العقبات أمامها، إلَّا امتدادٌ طبيعيٌّ لهذا النَّهج؛ ممَّا خلق مناخًا محفِّزًا، جعل من جمعيَّات المدينة نموذجًا يُحتذَى.

وهنا.. يجب ألَّا ننسى الدَّور الذي يلعبه «مجلس الجمعيَّات الأهليَّة» بالمدينة، الكيان الذي يقوده باقتدار الفاضلان: د. عبدالمحسن الحربي، ود. سمير المغامسي، فقد نجحا مع فريق عملهما في تحويل المجلس من مجرَّد مظلَّة تنسيقيَّة، إلى «منصَّة تمكين» حقيقيَّة، تقدِّم الدعم للجمعيَّات، وتأخذ بيدها نحو النموِّ والاستدامة.

أعرفُ أنَّ هناك مَن لا يزال يقولُ إنَّ هذا هو حديثُ المُحبِّ عن محبوبته، الذي لا بُدَّ أنْ يُعزَّز بالأرقام والشَّواهد التي تثبتُه وتؤكِّدُه.. وهذا حديث مقبل -بإذن الله-.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store