Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أحمد عبدالرحمن العرفج

مناقلة الصالات.. حين ينجح التخطيط ويبتسم المسافر

A A
هل «مناقلة الصَّالات» مجرَّد نقلٍ للرِّحلات بين الصَّالات؟

الجواب: لا.

لأنَّ بعض القرارات تبدُو في ظاهرها تشغيليَّة، لكنَّها في حقيقتها قرارات تُعيد صياغة تجربة المسافر كاملةً. وهذا ما حدث في مطار الملك خالد الدوليِّ، حين تحوَّلت «مناقلة الصَّالات» من مشروع لوجستيٍّ معقَّدٍ إلى نموذج نجاح يقول لنا بلغة الأرقام: إذا نضجَ التخطيطُ، اختفَى الارتباكُ.

فالمشروع لم يبدأ بيوم التَّنفيذ، بل بدأ قبل ذلك بكثير؛ بدأ حين فُهمت المشكلة بدقَّة، وحين وُضعت المناقلة ضمن خطة انتقال تشغيليَّة شاملة، تستهدف رفع كفاءة توزيع الرِّحلات وتعظيم الاستفادة من الطَّاقة الاستيعابيَّة المتاحة. لهذا لم يكن الانتقال مفاجأةً، بل نتيجة طبيعيَّة لسلسلةٍ من الاستعدادات المسبقة: تجارب تشغيليَّة، فحص للأنظمة، مراجعة للمسارات، وتنسيق مع الجهات ذات العلاقة؛ حتَّى لا يتحوَّل التَّغيير إلى ارتباك، ولا تتحوَّل الفكرة الجيدة إلى تجربة مربكة.

والنجاح هنا لم يكن نجاح «إعلان»، بل نجاح «تفصيل».

فأنظمة مناولة الأمتعة لم تُترك للمفاجآت، واللَّوحات الإرشاديَّة لم تُترك للاجتهاد، ونقاط التَّفتيش لم تُترك لاحتمالات الضَّغط. وحين تُراجع هذه التَّفاصيل قبل بدء التَّطبيق، فإنَّك لا تُديرُ يومًا تشغيليًّا فقط، بل تُدير ثقة المُسافر أيضًا.

ثمَّ جاء التَّنفيذ، وهنا يظهر الفرق بين مشروع يُنفَّذ على الورق، ومشروع ينجح على الأرض. فقد جرى تكثيف وتعزيز الفِرق الميدانيَّة خلال فترة المناقلة، وتطبيق خطط توجيه مرنة؛ بما يحدُّ من أيِّ تذبذب تشغيليٍّ محتمل. كما جاءت إعادة توزيع الصَّالات على نحو أكثر وضوحًا: الصَّالتان (1) و(2) خُصِّصتا للرِّحلات الدوليَّة للناقلات الوطنيَّة، والصَّالتان (3) و(4) للرِّحلات الداخليَّة للناقلات الوطنيَّة، فيما خُصِّصت الصَّالة (5) للناقلات الأجنبيَّة للرِّحلات الدوليَّة؛ وهو توزيع استهدفت خطته تقليص زمن التنقُّل، وتحسين الربط بين الرِّحلات.

وعادةً، يُقَاس نجاح المشروعات الكبيرة بدرجة «الهدوء» التي ترافقها. فكلَّما كان المشروعُ أضخمَ، كان الارتباكُ المتوقَّعُ أكبرَ. لكن ما حدث هنا أنَّ الضَّخامة قابلها انضباطٌ، وأنَّ التَّعقيد قابله وضوحٌ. وهذا ما يجعل نجاح المناقلة نجاحًا مؤسَّسيًّا لا نجاحًا لحظيًّا.

أمَّا لغةُ الأرقام، فهي أكثر صراحةً من لُغة الانطباعات. فالمناقلة أسهمت في رفع الطَّاقة الاستيعابيَّة للصَّالتَين (3) و(4) من 16 مليونَ مسافرٍ سنويًّا إلى 25 مليونًا، كما رفعت الطَّاقة الاستيعابيَّة لمسافري العُبور والرِّحلات المواصلة بنسبة تجاوزت 33%؛ لتصل إلى 7.5 ملايين مسافرٍ سنويًّا، ضمن مسارٍ أوسعَ يستهدف رفع الطَّاقة الإجماليَّة من 42 مليونَ مسافرٍ في 2025 إلى 56 مليونًا بنهاية 2026. وهذه ليست مجرَّد أرقام تحسين؛ بل أرقام تعكسُ أنَّ المطار لم يعالج الازدحام فحسب، بل يُعيد هندسة النموِّ من جذوره.

ثمَّ تأتي الأرقام التشغيليَّة التي أوردتها أنت، لتؤكِّد أنَّ النجاح لم يكن نظريًّا: أكثر من 950 ألفَ مسافرٍ للقدوم والمغادرة، وأكثر من 6800 رحلةٍ، وأكثر من 435 ألفَ حقيبةٍ تمَّ التَّعامل معها خلال فترة المناقلة؛ وكل ذلك بسلاسةٍ ويُسرٍ. وهنا يحقُّ لنا أنْ نقول: إنَّ النجاح الحقيقي ليس أنْ تعمل الخطَّة، بل أنْ تعمل الخطَّة تحت الضَّغط.

لكن، هل ينجح مشروع بهذا الحجم بالتَّشغيل وحده؟

أيضًا: لا.

لأنَّ نجاح «مناقلة الصَّالات» لم يعتمد على تحريك الرِّحلات فقط، بل على تحريك المعلومة في الوقت الصَّحيح، وباللُّغة الصَّحيحة، وللشَّخص الصَّحيح. وهنا ظهرت قيمة الحملة الاتِّصاليَّة المصاحبة، فقد سبقت المسافر إلى هاتفه قبل أنْ يصل إلى المطار، ورافقته في الطَّريق، ثم استقبلته داخل الصَّالات. فيديوهات توعويَّة، ومحتوى رقمي جاهز للنَّشر، ورسائل بصريَّة على الطُّرق، ولوحات وشاشات داخليَّة، وفرق إرشاديَّة على الأرض، وتعدُّد لُغوي يخاطب المحليَّ والدوليَّ بلُغةٍ واضحةٍ وسريعةٍ.

باختصار: كانت الرسالة تصل قبل السؤال. وهذه ميزة نادرة.

ففي كثير من المشروعات، يكون التَّشغيل جيدًا، لكن الاتِّصال ضعيفًا؛ فيضيع نصف النجاح في الطَّريق. أمَّا هنا، فقد لعبت الحملة الاتِّصاليَّة دور «المترجم» بين القرار التَّشغيلي والمُسافر، فحوَّلت التَّغيير من شيءٍ قد يثير القلق، إلى تجربةٍ مفهومةٍ يمكن التكيُّف معها بسهولة.

ومع النموِّ المتزايد في أعداد المسافرين، ومع متوسط يومي تجاوز 118 ألفَ مسافرٍ بحسب معطياتك، تبدُو هذه الخطوة أكثر من مجرَّد إجراءٍ مرحليٍّ؛ إنَّها تدريبٌ عمليٌّ على مستقبل أكبر، واستعدادٌ مبكِّرٌ لمطار ينمو بسرعة، ويريد أنْ يظلَّ منظمًا بقدر ما هو متَّسع. ومتى اجتمع التَّخطيط، والتَّنفيذ، والتَّواصل، فإنَّ النتيجة لا تكون فقط «مناقلة صالات»، بل مناقلة في مستوى التَّجربة كلها.

الخلاصة؟

النجاح في مثل هذه المشروعات، لا يُقَاس فقط بعدد الرِّحلات التي أقلعت، بل بعدد المُسافرين الذين عبروا التَّجربة دون حيرةٍ. وهذا ما حققته «مناقلة الصَّالات»: تشغيل أكثر كفاءة، طاقة استيعابيَّة أعلى، ورسالة أوضح. وحين تصبح العمليَّة الضَّخمة مفهومةً وسلسةً للمسافر، فاعلم أنَّ النجاح لم يكن صدفةً، بل صناعة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store