حين تولَّى الدكتور طه حسين وزارة المعارف المصريَّة، حاول -بكلِّ ثقله الثقافيِّ والسياسيِّ- فرض تدريس اللُّغتَين اليونانيَّة واللاتينيَّة في مدارس التَّعليم العام؛ اعتقادًا منه أنَّه سينقل العلوم من جذورها، وحين استغرب البعضُ فرضَ مثل هذه الفكرة في مجتمعٍ كان يعانِي الفقرَ والمرضَ، أجاب -كما ورد في كتابه مستقبل الثقافة- بأنَّ الحضارة الغربيَّة كلٌّ لا يتجزَّأ، وعلينا إنْ أردنا التقدُّم أخذَها بخيرِها وشرِّها، ما يُحمد منها وما يُعاب!.
لا نريد اليوم محاكمة فكرة طه حسين، التي سقطت بعد فترة قصيرة، فقد انتقدَها كثيرُون منهم (مالك بن نبي)، الذي كان يرى أنَّ الحضارة لا تُستورَد كما تُستورَد السِّلع، فالمجتمع قد يشتري منتجات متطوِّرة، وقد يقلِّد أساليب العيش الحديثة، لكنَّه يظلُّ بعيدًا عن بناء الحضارة، ما لم ينتج (الفكرة) التي صنعت تلك الحضارة.. وهذا هو الفارق بين التحضُّر الحقيقيِّ والتَّزيُّن الحضاريِّ، فالأوَّل يبدأ من العقل والعمل، بينما يكتفي الثَّاني بالمظاهر المجرَّدة.
عمومًا.. لم تكن المشكلة يومًا في الدَّعوة للتَّعلُّم من الآخرِين؛ فالأمم الحيَّة تتعلَّم دائمًا.. الإشكال يبدأ حين تتحوَّل فكرة (الانفتاح الثقافيِّ) إلى النقل الحرفيِّ، وكأنَّ التقدُّم لا يتحقَّق إلَّا بنقل النموذج الآخر على علَّاتِهِ، حتَّى فيما يتعلَّق بالهويَّة، والقِيم، وأنماط الحياة!.
مناسبة هذا الكلام، هو الإشكاليَّة التي تبدو واضحةً اليوم في كثير من إنتاجنا الدِّراميِّ المحليِّ، فبعض الأعمال التي ترفع شعار (التَّنوير) لا تقدِّمُ معرفةً، ولا تحاربُ جهلًا، بقدر ما تعتمد على الصَّدمة الاجتماعيَّة (المُثيرة)، بوصفها دليلًا على الحداثة، وكأنَّ الطَّريق إلى التقدُّم يبدأ دائمًا بكسر كلِّ ما هو مألوفٌ في المجتمع، لا بإصلاح ما هو فاسدٌ فيه!.. والنتيجة أنَّ التنوير هنا يتحوَّل إلى مصطلح (مفخَّخ) لا يعني سوى (جرأة غير محمودة) في نقل بعض الأفكار الحادَّة، بينما القضايا الحقيقيَّة التي تبني المجتمعات، نادرًا ما تصبح محور البطولة في تلك الأعمال!.
لستُ ضد الدِّراما، ولا ضد الجرأة فيها، وأتفهَّم -كإعلاميٍّ- حاجة بعض الأعمال للإثارة لتحقيق المكاسب، لكنَّ الدِّراما إحدى أهم أدوات المجتمع المستنير، الذي لا بُدَّ أنْ يأخذ ما ينفعه من تجارب الآخرِينَ ويطوِّره، بينما تنقل المجتمعات القلقة مشكلات الآخرِينَ ونقاط ضعفهم، وقد حذَّر مفكِّرُونَ غربيُّونَ من هذا التنوير المزيَّف، فالفيلسوف (أوزوالد شبينجلر) تحدَّث عن المجتمعات التي تستعيرُ مظاهر حضارة أُخْرى دونَ أن تمتلك روحها، ورأى أنَّ ذلك لا يصنعُ نهضةً، بل نوعًا من الارتباك الثقافيِّ، كما لاحظ المفكِّر الفرنسيُّ (ألكسيس دو توكفيل) أنَّ قوَّة المجتمعات الحديثة لم تأتِ من تقليد غيرها، بل من قدرتها على تطوير مؤسَّساتها، انطلاقًا من تاريخها وتجربتها الخاصَّة.
(التنوير) ليس صدمةً (مشاهد خارجة)، ولا تحدِّيًا للهويَّة والقِيم، بل عمليَّة طويلة تبدأ من بناء عقل نقديٍّ جمعيٍّ، وتعليمٍ قويٍّ، وإعلامٍ صادقٍ، إلى دراما وفنٍّ يُحلِّل الواقع ويطوِّره؛ بدلًا من الهروب إلى الأمام، من خلال نقلٍ بليدٍ لتجارب نشأت في ظروفها الخاصَّة.
الحضارة لا تُشحَن في حاويات اللُّغة، والتنوير لا يُعرَض في (تترات) المسلسلات المثيرة، إنَّها عمليَّات دقيقة تُبنَى ببطء داخل العقول التي تحترم هويتها ومجتمعاتها، ثم تظهر آثارها في كلِّ شيءٍ بعد ذلك.


