Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
م . طلال القشقري

نحن ومهنة النبي إدريس!!

بضاعة مزجاة

A A
تعوَّدْتُ على حياكة ثيابِ العيد كلَّ عامٍ في العشرة الأوائل من شهرِ رمضانَ، رغم ارتفاع أسعارها عن شهرَي رجب وشعبان السَّابقَيْن لشهر رمضانَ، لكنَّ هذا العام.. غير، إذ أحبَبْتُ كذلك حياكة ثياب العيد لأحفادِي من ابنتيَّ خولة وجُمانة، وهم: إبراهيم، وطلال، ويوسُف، فضلًا عن ابني صُهيْب المهندس في الهيئة السعوديَّة للمياه في الرياض.

وكنتُ في السَّابق أحيكُ الثِّيابَ عند حائكٍ هنديٍّ يقع محلُّه بالقُرْب من بيتي في حيِّ الفيصليَّة، لكنِّي ولكثرة الثِّياب المُزمع تفصيلهَا فضَّلْتُ الذهاب إلى سوق البلد، الذي أسمعُ كثيرًا عن توفُّر البضائع الجيِّدة فيه، ورُخْص أسعاره.

وهكذا صلَّيْنا جميعًا الجمعة الماضية، وتوكَّلْنا على اللهِ في الطَّريق للبلد (قلب جدَّة)، الذي نادرًا ما أذهبُ إليه، وأوَّل ما فاجأَنِي وأسعدَنِي هُو أنَّ جميعَ مواقف سيَّاراته مجَّانيَّة يوم الجمعة، ولذلك أوقفْتُ سيَّارتي دون خوفٍ من سحْب سيَّارتي من قِبل الشَّركات المستثمِرِة في المواقف، أو حصولِي على مخالفةٍ مروريَّةٍ إنْ لم أودِع رسْمَ الوقوفِ في الماكينات المُخصَّصة لذلك!.

لكنْ ما أحزنَنِي هُو توفُّر عددٌ كبيرٌ من محلَّات بيع الأقمشة بأسعار الجُملة، وكذلك الخياطة مع باقي مستلزمات الرِّجال السعوديِّين، مثل الأشمغةِ والعقالِ والكوافِي، دون أنْ يعمل فيها مواطنٌ سعوديٌّ واحدٌ، وهذا -واللهِ- غريبٌ وعجيبٌ، فالزيُّ سعوديٌّ ١٠٠٪، بينما نسبة العاملِينَ السعوديِّين في بيع قُماشهِ وحياكتِهِ هي صِفْرٌ ١٠٠٪!.

ولا أدري هل يخجلُ الشَّابُّ السعوديُّ من مهنةِ (مُدير) لزيِّه السعوديِّ (لاحظُوا تسميتي للمهنةِ بالمُدير؛ تشجيعًا للشَّباب السعوديِّين الذين يفضِّلُون الأعمالَ الإداريَّة على الأعمال اليدويَّة) فيُحجم عنها، ويدعهَا للقاصِي والدَّانِي من الوافدِينَ الذين ليسُوا لصيقِينَ بتراث لباس الرَّجل السعوديِّ وتقاليده، مع احترامي لكلِّ الوافدِينَ ورفعي شماغِي تحيَّةً لهم؛ لاحتكارهم هذه المهنة الغالية!.

أنا أذكرُ في طفولتِي بمدينة الطَّائف تردُّدي مع أبي -يرحمهُ اللهُ- على حائكٍ سعوديٍّ مُسِنٍّ نسيتُ اسمَهُ، وكان ماهرًا، ويُشار إليه بالبَنانِ، ويحيكُ لعليَّة القوم ثيابَهم فيأتُوه من كلِّ مكان، من الرِّياض في الصَّيف، ومن مكَّة المكرَّمة، وجدَّة وغيرها من المُدن السعوديَّة. وهو الحائكُ السعوديُّ الوحيدُ الذي أعرفه، وبعد ذلك مرَّت عقودٌ عليَّ، وازداد عددُ السعوديِّين، وتضخَّمت الحاجة لمهنة حياكة ثيابِهم الوطنيَّة، لكنَّ الحائكِينَ كلَّهم غيرُ سعوديِّين!.

وللهِ ثمَّ للتَّاريخ، كانَ النبيُّ إدريسُ -عليهِ السَّلامُ- حائكًا، وهو أوَّل مَن حاكَ ولبسَ المخيط، وكان النَّاسُ قبله يلبسُون جلودَ الحيواناتِ، وقد غابَ السعوديُّونَ عن مهنة أحدِ الأنبياء العِظام، الذي رفعه اللهُ مكانًا عَليًّا!.

وهكذا اشتريْنا سعيدِين طاقتَيْن من أحدِ محلَّات بيع القُماش، الذي يُديره حائكٌ يمنيٌّ (الطَّاقة تكفي لسبعةِ ثيابٍ) أي بمعدَّل ثوبَين أو ثلاثة لكلٍّ منَّا، وقفلنَا راجعِينَ للحائكِ الهنديِّ الذي يحيكهم لنا الآن، وأسألُ اللهَ أنْ يُتمِّم نعمةَ الصِّيام لنَا، وإدراك العيد السَّعيد، ولبس ثيابِهِ ذات اللَّون السُكَّريِّ الجميل، بقدر ما أسألهُ أنْ يُتمِّمَ على السعوديِّين بالتَّوظُّف في كلِّ المهنِ الشَّريفةِ، خصوصًا المهن اليدويَّة ذات الفوائد الجمَّة، وإحياء تراثنا العَريق.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store