Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد البلادي

بين أدب الحروب.. ووعيها!

A A
ثمَّة خيطٌ رفيعٌ، وحادٌّ جدًّا، يفصل بين أدبِ الحروب ووعيها، فالأوَّل هو ما نكتبُه لنصفَ المأساةَ من شعرٍ ونثرٍ، أمَّا الثَّاني فهو ما نديرُ به المعركة في الواقعِ، إنَّه الإدراكُ الذي يجعلنا نفهم قواعدَ لعبةِ الحرب، ونوازن بينَ القوَّة والحِكمة، ونعرف متى نقاتلُ؟ ومتى نتجنَّبُ الصِدام؟ وكيف نحمِي مجتمعَنا ومنجزاتِنا دون أنْ نتوهَ وسط شعاراتِ أو خيالاتِ البطولةِ.

عبر التَّاريخ، حاول أدبُ الحروبِ أنْ يمنح المأساةَ لغةً، فمنذ إلياذة (هوميروس)، إلى روايات (تولستوي)، سعى الشُّعراءُ والأدباءُ إلى تحويل رائحةِ البارودِ؛ وخرابِ المدنِ إلى قصائدَ، وصراخِ الضحايَا إلى بلاغةٍ، لكنَّ الأدب -مهما بلغت حِرفته- قد يقعُ أحيانًا في فخِّ (رومانسيَّة الحرب والألم)؛ فيُقدِّم القتلَ والدَّمارَ وكأنَّهما لوحةٌ فنيَّةٌ، دون أنْ يربط المشاهدَ بوزرِ المأساةِ.. فالأدبُ هنا يوثِّق ما حدث، لكنَّه لا يُعلِّم بالضرورةِ كيف يتصرَّف الإنسانُ أو المجتمعُ حين يواجه الحربَ.

هذا دور (الوعي)، فهو القدرةُ على فهم قواعدِ الحرب، إدارة المخاطرِ، وحماية المجتمعِ والوطنِ، إنَّه الدرجة التي يدركُ عندها الإنسانُ أنَّ الحرب ليست بطولةً بالضرورة، بل اختبارٌ وجوديٌّ لقيمهِ وعقلهِ وتصرفاتهِ.. كما أشار (فيكتور فرانكل)، حين تحدَّث عن اللَّحظة التي تنهار فيها قشرةُ الحضارةِ أمامَ غريزةِ البقاءِ، هذا الوعي هو الذي يجعلُ الإنسانَ لا يكتفِي بالمشاعر، بل يعرف كيف يتصرَّف ليبقَى صامدًا دون وطنهِ ومجتمعهِ.

إنَّ الأجيال التي نشأتْ على (أدب الموت والدَّمار)، غالبًا ما حملت معها وعيًا مشوَّهًا، ترى فيه البطولةَ في إشعالِ المعاركِ قبل التَّفكير بالعواقبِ، وتعيش بين شعاراتٍ ومُثُلٍ زائفةٍ لا تلامسُ الواقعَ، على النَّقيض ممَّن نشأوا في بيئاتٍ تبني الحياة، والاستقرار، والتنمية، وتعلم أنَّ القوَّة في المعرفة، والتنافسيَّة العالميَّة.

في لحظاتِ التوتر التي تمرُّ بها منطقتنا، يبدو الفرق بين أدبِ الحروبِ ووعيِ الحروبِ أكثرَ وضوحًا، ففي حين تغصُّ وسائلُ الإعلامِ والتَّواصل بالشعاراتِ، وتشتعلُ معظمُ المنصَّاتِ بالفتنِ، ويصفِّق البعضُ لأيِّ شرارة توتُّر، تنظر المجتمعاتُ الواعيةُ إلى الحرب بمنطقِ من يدرك أنَّ الحروب ليست هدفًا في حدِّ ذاتها، بل هي قراراتٌ وجوديَّةٌ تتعلَّق بأمن النَّاس، وحماية الأوطان؛ ممَّا جعل المشهد يبدُو أحيانًا وكأنَّ المنطقةَ تعيشُ صراعًا بين عقليَّتَين، الأولى ما زالت ترَى الحربَ شعاراتٍ يمكن ترديدُها ولو من بعيدٍ، والثانية تدركُ أنَّ الوعيَ الحقيقيَّ بالحرب ليس ضعفًا، وأنَّ القوَّة ليست في الصِدام العشوائيِّ، بل في مَن يملكُ السيطرةَ على المعركةِ قبل أنْ تبدأ.

ولأنَّ دول الخليج لم تكن يومًا دولَ ضجيجٍ سياسيٍّ أجوفَ، ولم يكن أدبُ الحروب جزءًا من ذاكرتِها الثقافيَّة، كان من الطبيعيِّ أنْ ينشأ أدبٌ آخرُ، أدب التَّنمية والبناء -إنْ صحَّ التَّعبير- الذي رافق نهضتها منذُ بداياتها، وجعل من معاركِ العمرانِ والاستقرارِ، المعيارَ الأعلَى لقياس القوَّة، لا معارك الشِّعارات والأيديولوجيَا التي غرقَ فيها محيطُها.

الحروبُ قد لا تُربَح حتَّى بالسِّلاح، لكنَّ الاستقرارَ والسَّلامَ والتَّنميةَ لا تُبنَى إلَّا بوعيٍ جمعيٍّ يعرفُ جيِّدًا كم يكلِّف الدَّم.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store