جَاء فِي الحَديث الشَّريف: (تُنْكَح المَرأة لأَربَعٍ: لِمَالِهَا ولِجَمَالِهَا ولدِينِهَا، فاظْفر بذَات الدِّين تَربت يَدَاك)..
كُلُّ هَذه الأسبَاب وَجيهَة ومَعروفَة، ولَكن مَا هو لَيس بمَعروفٍ ولَا بمَشهورٍ، أَنْ يَحرص الرَّجُل عَلى الكُتبِ؛ أَكثَر مِن حِرصهِ عَلى المَرأةِ، ويَحتفل بحرُوف الهِجَاء، أَكثَر مِن احتفَالهِ بجَمَال النِّسَاء..!
يَقول الأُستَاذُ القَديرُ «جلال أمين» في سِيرته الذَّاتيَّة: «مَاذا عَلَّمتني الحيَاة؟»، مُتحدِّثًا عَن وَالده الأَديبِ الكَبيرِ «أحمد أمين»:
(لَا يَجبُ أَنْ يَتوقَّع أَحَدٌ؛ أَنْ يَكونَ بحَوزتِي صُورةٌ لأَبي وأُمِّي يَوم زَوَاجهمَا، يَبتسم فِيهَا الزَّوجُ لزَوجتهِ، كَما يَفعلُ النَّاسُ فِي هَذه الأيَّام.. لَديَّ بالفِعلِ صُورة لأَبي يَوم زَوَاجهِ، ولَكنَّها لَه وَحده، فَقَد ذَهَبَ بمُفردهِ إلَى المُصوِّر، بَعد إتمَام عَقد الزَّواجِ، فالتَقَطَ لَه صُورةً، وبَدلًا مِن الزَّوجة، استَنَدَ أَبي بيَدهِ عَلى بِضعة كُتبٍ، وكَتَبَ خَلف الصُّورةِ -التي لَا تَزال فِي حَوزتنَا- أنَّه اختَار الكُتبَ رَمزًا وشِعَارًا، كَما كَتَبَ أَيضًا وَرَاء الصُّورة: «وأَرجو مِن اللهِ أَنْ يُوفِّقنِي إلَى عَملٍ عَظيمٍ، أَنفَعُ بِهِ أُمَّتي».
وقَد وَفَّقه الله إلَى ذَلك فِعلًا، ولَكنَّ المُهمَّ لَديَّ -الآن- أَنَّه لَم يُشر فِيمَا كَتبهُ وَرَاء الصُّورة -ولَو بإشَارَةٍ عَارِضَةٍ- إلَى أُمِّي، التي كَان قَد عَقدَ لتَوِّه زَواجه عَليها)..!
قَد تَتعجَّبُون مِن افتخَار أُستَاذِنا وشَيخِنا «أحمد أمين» بالكُتبِ، وتَجَاهله لأُمِّ عِيَالهِ، «أُم حَمَادة» -كَما كَان يُسمِّيهَا أَوقَات الرِّضَا والفَرَح-، أَمَّا مَا عَدَا ذَلك، فقَد كَان لَا يُنَاديهَا إلَّا بكَلِمَة «يَا وَلَد»، كَمَا ذَكر ذَلك ابنه «جلال» فِي نَفس الكِتَاب.. وعَلى العمُوم مُنَادَاة الزَّوج لزَوجته بـ»يَا وَلَد»، أَفضَل مِن طَريقة أَهل نَجد، الذين يُنادُون زَوجَاتهم -أَحيَانًا- بـ»يَا هيش»..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أَنْ نَقول: إنَّ بَعض الرِّجَال لَم يَكتفُوا بتَفضيل الكُتبِ عَلى الزَّوجَةِ، بَل إنَّهم سَعوا إلَى الزَّوَاجِ مِن المرَأةِ التي لديها مَكتبَة، لذَلك لَا تَتعجَّب أَنْ تَسمعَ فِي كُتب التُّرَاث عِبَارة: «وتُنكَح المَرأةُ لكُتبِهَا»، كَما فَعل الإمَام «إسحاق بن راهويه»، حَيثُ تَقَول بعض كُتب التُّرَاث إنَّه «تزوَّج مِن أَرمَلَةٍ، كَان عِندها كُتب الشَّافعيِّ، فقِيل لَه: مَا حَمَلَكَ عَلى ذَلكَ؟، قَال: تُنكَحُ المَرأةُ لكُتبِهَا»..!


