في الأزمنة العصيبة، تُقَاس عَظَمة الدُّول بقدرتها على إدارة الأحداث، وتحويلها إلى نظام، وعلى تحويل الخوف إلى طمأنينة، وعلى جعل الأزمات جسورًا للنَّجاة لا هاوياتٍ للهلاك. وفي هذه اللَّحظة التاريخيَّة تقف المملكة العربيَّة السعوديَّة شامخةً، كعادتها، تمارس دورها الكبير بثقة.. دولة تعرف وزنها في الجغرافيا والتاريخ، وتدرك أنَّ رسالتها أوسع من حدودها.
في قلب المسجد الحرام تتدفَّق الحشود المليونيَّة على مدار الشَّهر، أمواج بشريَّة لا تنقطع، تأتي من كلِّ فجٍ عميقٍ تبحث عن السَّكينة والرَّحمة. هناك يقف رجالُ الأمن، في مشهدٍ يكاد يكون معجزةً تنظيميَّةً يوميَّةً؛ يديرُونَ الملايين بهدوء وثبات، كأنَّهم ينسجُونَ خيوط النِّظام وسط بحرٍ من البشر. حركةٌ لا تتوقَّف، وعيونٌ لا تنام، واحترافٌ أمنيٌّ صار مدرسةً تُدرَّس في إدارة الحشود، حتى باتت مكَّة نموذجًا عالميًّا لكيف يمكن للإنسان أنْ يلتقي بالإنسان في أقدس بقاع الأرض دون أنْ تضيع الطمأنينة.
وعلى الجانب الآخر تكتظُّ سماء المملكة بحشودٍ أُخْرى... ليست من البشر، بل من الطَّائرات المدنيَّة التي تحلِّق في فضاءٍ واسعٍ بحثًا عن مساراتٍ آمنةٍ بعد أنْ أغلقت مطارات الدُّول المجاورة أبوابها تحت وطأة القلق. ففتحت السعوديَّة أجواءها كقلبٍ رحبٍ، وارتسمت فوق سمائها خطوط الطَّيران المتشابكة مثل شرايين حياةٍ جديدةٍ، لتتحوَّل المطاراتُ السعوديَّة إلى ملاذٍ للطَّائرات العابرة، ومناراتٍ للأمان في سماءٍ مضطربةٍ.
وعلى الأرض، تتحرَّك قوافل من نوعٍ آخرَ. حشود من الشاحنات الثقيلة، محمَّلة بالمواد الغذائيَّة والأدوية، تغادر منافذ المملكة البريَّة متَّجهةً إلى دول الخليج الشَّقيقة. لم تكن مجرَّد بضائع، بل كانت شحنات من التَّضامن، ورسائل عمليَّة بأنَّ الأمن الغذائيَّ والصحيَّ لا يعرف الحدود عندما تكون الأخوة هي اللُّغة المشتركة. فحين توقَّفت طرق البحر، وتعطَّلت خطوط الإمداد، فتحت المملكة طرق البر لتبقى الحياة مستمرَّةً.
وعلى ذات المنافذ، تمرُّ حشود الحافلات. حافلات تحمل أشقاءنا، ورعايا الدول الذين تقطَّعت بهم السُّبل في مطارات الخليج، بعدما داهمتهم الأحداث، وأربكت رحلاتهم. لم يُترك أحد لمصيره، فالأبواب السعوديَّة اتَّسعت للجميع، والطرق أصبحت جسور عبور نحو الأمان، حيث يجد العالق مأوى، والخائف طمأنينة، والغريب كرامة الضيافة.
وفي الموانئ السعوديَّة، مشهد آخر لا يقل كثافة. بواخر تتزاحم على الأرصفة، حاملة آلاف الحاويات التي تعذَّر وصولها إلى موانئ الخليج. هناك تتحوَّل الموانئ إلى رئةٍ اقتصاديَّةٍ تتنفَّس بها المنطقة، وتعمل كبديلٍ إستراتيجيٍّ يضمن استمرار حركة التجارة وسلاسل الإمداد. إنَّها لوجستيَّات دولةٍ تعرفُ أنَّ استقرار الاقتصاد جزءٌ من أمن الإنسان.
لقد فتحت المملكة قلبها قبل أنْ تفتح مطاراتها وموانئها ومدنها. سخَّرت كل إمكاناتها لاستقبال ونقل العالقِين والمتضرِّرين والخائفِين، أولئك الذين أرعبتهم صواريخ العدوان الإيرانيِّ وهدَّدت حياتهم وسكينتهم. كانت الرسالة واضحة: السعوديَّة ليست مجرَّد دولة كبيرة في الجغرافيا، بل وطن كبير في المعنى والإنسانيَّة.
وفي الخلفيَّة، تقف حشود أخرى... لكنَّها هذه المرَّة حشود من اليقظة. رادارات الدفاع الجوي ترصد السماء، وأنظمة الرصد تتابع كل حركة، ورجال القوات المسلَّحة يسهرُون حيث ينام الآخرُونَ. عيونٌ لا تغفل، وأيدٍ ثابتة تحرس سماء الوطن من الصَّواريخ والمسيَّرات، لتبقى الأرض آمنة والحياة مستمرة.
وفي الدوائر السياسيَّة والدبلوماسيَّة، لا تهدأ الحركة. جهود مكثفة، واتصالات متواصلة، وحراك دبلوماسي يعمل على مدار الساعة لاحتواء التصعيد، ووقف الحرب. فالدول الكبرى لا تكتفي بحماية نفسها، بل تسعى لحماية المنطقة بأكملها من نار الصِّراعات.
ومع كل ذلك، يمضي النَّاس في حياتهم بهدوء. المواطنُونَ والمقيمُونَ يمارسُونَ يومهم كالمعتاد؛ الأسواق مفتوحة، والطرق نابضة بالحركة، والمؤسَّسات تعمل بتناغم وتنسيق عالِي المستوَى. لم يشعر المجتمع بارتباك الحرب؛ لأنَّ خلف هذا الهدوء منظومةَ دولةٍ تعمل بدقَّة السَّاعة.
إنَّها صورة نادرة لدولة تجمع بين القوة والرَّحمة، بين الحزم والإنسانيَّة، بين الأمن والتَّنمية.
إنَّها ببساطة... السعوديَّة العُظمَى.


