في كل مرة تهبُّ فيها عاصفة (جيوسياسية) على منطقة الخليج العربي، نكتشف أن أزمتنا الحقيقية؛ لا تكمن فقط في خطورة الحدث، بل في «أزمة الوعي» التي تصاحب هذه الأحداث وتُفسرها.. فرغم كل التقدم الذي نحسب أنه طال معظم بلاد العرب، إلا أنه لا تزال هناك شريحة من (قادة الرأي) و(صُناع الوعي الجمعي) تعيش حقبة الستينيات بكل فشلها وخيباتها، فمع أول رصاصة ضد إحدى دول الخليج، نشاهد ذلك الاصطفاف الحاقد من نفس المعسكر، والتعبئة غير المبررة ضد هذا الجزء المزدهر من العالم العربي، والذي لطالما تحمل خيبات أمته وجبر كسورها.
يطل عليك نفس المثقف (اليساري) القديم، ليحدثك بحماسة لا تخلو من إيحاءات حسد ظاهر؛ عن «التوازن الإستراتيجي»، و»توزيع الثروة»، وكيف يجب التضحية بجزء -هو الخليج طبعاً- لإنقاذ الكل.. تسويق مملّ لنفس الفكرة الطامعة في ثروات الخليج، والتي تعود إلى ما خلّفته الأيديولوجيا الشيوعية، وما نتج عنها من حركات بائسة كالبعثية والناصرية وغيرها، عندما كان يُطرح ضمّ الخليج بكل وقاحة تحت لافتة (الوحدة العربية).
ورغم موت معظم تلك الأيديولوجيات التي جرّت الويلات على شعوبها وعلى المنطقة بأكملها، إلا أن هذه الفكرة لم تمت، فقط غيّرت جلدها ولغتها، فاليوم تأتيك متدثرة بعبارات مثل (المقاومة)، (مواجهة المشروع المعادي). حتى (إيران الفارسية)، فهمت اللعبة، فدخلت المشهد بلسان أعجمي، لكنه يستخدم لغة مألوفة للعقل العربي؛ فدغدغت عواطف الدهماء من العرب، برفع الشعارات ذاتها (نصرة القدس)، ولو أعمل العرب المأزومون عقولهم المتكلسة لرأوا أن (ربع الصواريخ الإيرانية تذهب هناك، وثلاثة أرباعها للخليج)!.
لا تسأل كيف يمكن لعربي أن (يفرح) بقصف مدن عربية، لمجرد أن صاروخاً (نصف خشبي) ذهب في اتجاه إسرائيل؟ وكيف يمكن أن تصبح أرواح الشعوب العربية الخليجية مجرد تفصيل هامشي في معادلة «توازن» وهمية، لا يعرف أحد من وضعها، ولا من يدفع ثمنها؟ فلا إجابة لديّ!. ما أعرفه أن الخليج، لم يكن يوماً محل اتهام لأنه أخطأ بحق أحد، بل لأنه ببساطة لم يفشل، ولأن ثرواته كانت وما زالت سبباً ليصبح متهماً على الدوام، واستقراره وتطوره تحوّلا في وعي البعض المشوه إلى خطيئة يجب أن تُغسل.. وهنا تتحول فكرة «المقاومة» من موقف أخلاقي إلى غطاء نفسي للكراهية؛ التي لا يستطيعون التصريح بأسبابها.
هذا التبرير الأعوج يختصر لك الإجابة على كل الأسئلة القديمة الجديدة: لماذا يُستهدف هذا الجزء من العالم العربي؟ ولماذا يُبرَّر العدوان عليه رغم كل ما قدمه للقضية المركزية وللمواطن العربي؟ ولماذا يصمت البعض تجاه إيذائه؟.
الأمم التي تبرر تدمير بعضها، وتستمتع بهدر مقدراتها لصالح شعارات ووعي مشوه، لن تنتصر كما تعتقد.. بل تؤكد بفعلها هذا على أننا ضحايا أفكار لم نجرؤ على مراجعتها، فالانتصار الحقيقي يكتب بلغة العقل والبناء، لا بلغة من يعيشون أسرى عقدة الكراهية المتوارثة.


