Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
م . طلال القشقري

قصتي مع البرجون!!

بضاعة مزجاة

A A
لا يعرفُ أطفالُنا الحاليُّون لُعبة البرجون، التي عرفنَاها نحن -الكهول السعوديِّين- في حُقبة سابقةٍ من الزَّمن، ومارسنَاهَا بشغفٍ ومُتعةٍ عندما كُنَّا أطفالًا، وهذا من التَّاريخ النَّاصع للألعاب الشعبيَّة السعوديَّة.

وكاتبكم -قولوا ما شاء الله- كان أحدَ أساطير هذه اللُّعبة في أزقَّة وشوارع مدينة الطَّائف القديمة، مثلما هو كريستيانو رونالدو الآن أحد أساطير كرة القدم العالميَّة!.

والبرجون عبارة عن كُراتٍ زجاجيَّةٍ صغيرةٍ وغير مُجوَّفة؛ كي لا تنكسر، وكانت -وما زالت- تُصنع في الصِّين، وكُنَّا نرصُّها على التُّراب مع عمل خطٍّ دائريٍّ حولها، ثمِّ يأتي الأطفالُ اللاعبُونَ المتنافسُونَ بكُرةٍ زجاجيَّةٍ مثلها، ولكن أكبر وتُسمَّى (الريِّس) فيرمُونَه نحو الكُرات لاعبًا بعدَ آخر، واللَّاعب الذي يتمكَّن من إخراج أكبر عدد من الكُرات، تُصبح من ممتلكاته، فترى اللَّاعب يشتري عددًا قليلًا من كُرات البرجون برُبع أو نصف ريال؛ مَمَّا أعطاه إيَّاه أبوه أو أُمُّه، لكنَّه يعود لبيته مُنتصرًا وجيبه مُثقل بعدد أكبر يُساوي ٣ أو ٤ ريالات، والعكس بالطبع صحيح!.

وكاتبكم كان حرِّيفًا في رمي الريِّس وإخراج الكُرات، ولديَّ طقوس لا يعرفُها حتَّى رونالدو، ومنها لوي يدي اليُمنى خلال رمي الريِّس فيتَّجه في طريقه وكأنَّه الكُرة التي كان يُسدِّدها لاعب نادي الهلال البرازيلي السَّابق ريفيلينو بقدمه اليُسرى في شباك الخصوم فتُمزِّقها، وكان أقراني يحاولُونَ بكلِّ ما أُوتُوا من حِيَلٍ لإفشالي، مثل قول عبارة (هَبْ هَبْ) عندما يحينُ دوري في الرَّمي، وكانُوا يعتقدُونَ أنَّ العبارة هي مفتاح حصول الحسد، ولكن هيهات.. هيهات، فمهارتي غير قابلة للحسد مهما تعاظم، وقُلْ أَعوذُ بِرَبّّ الفَلقِ.. من شرِّ ما حسد.

ولو قورنت لُعبة البرجون مع ألعاب أطفالنا اليوم، التي تكاد تكون محصورةً في الشاشات الإلكترونيَّة، لوجدنا الكفَّة الإيجابيَّة تميل لصالح البرجون، إذ تُحرِّك وتُنشِّط الجسد، وتُريح العين، وتُفرِّغ الطاقات، وتُقوِّي العضلات، بينما ألعاب الشاشات تُخمِّل وتُكسِّل الجسد، وتُرهِق العين لدرجة قد تُمرضها أو حتَّى تعميها -لا قدَّر اللهُ- وتُبقي الطاقات محبوسةً تُثقل العقل والجسد معًا، وتُتلف الأعصاب ومعها العضلات، وكُنَّا نربح مع البرجون أيَّام زمان، وأصبح أطفالنا حاليًّا يخسرُونَ أمام الشاشات الزجاجيَّة بالضربات القاضية.

ومن أسباب اختفاء لعبة البرجون في الطَّائف وغيرها من مدن المملكة، اختفاء التُّراب من الأزقَّة والشَّوارع بعد سفلتتها، وطبعًا لا أدعُو لإزالة الأسفلت؛ كي تعود اللُّعبة، بل أدعُو لإصلاحه بعد خرابه الحادِّ من قِبل شركات الخدمات التي عاثت فيه حُفرًا وفسادًا!.

كما حصلت -آنذاك- واقعة أليمة، أعتقدُ أنَّها السَّبب الرئيس في اختفاء اللُّعبة، وهي أنَّ طفلًا صغيرًا في السَّنة الثَّانية من عمره، ابتلع بعض كُرات البرجون؛ ظنًّا منه أنَّها حلوى، ومات البريءُ خنقًا، فمنعت الدَّولة استيراد البرجون، ومعها كل الحق، فالحياة أهمُّ من البرجون، وحفظَ اللهُ أطفالَنَا من شرورِ ألعابِ العصرِ، ووفَّقهم للدِّراسة والتَّحصيل وخدمة العَلَم والوَطَن.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store