Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أحمد أسعد خليل

تأثير الشيطان

A A
هل وُلِدنَا أخيارًا أم أشرارًا؟، هذا السُّؤالُ الأزليُّ الذي شغل الفلاسفة، وجد إجابةً صادمةً في مختبراتِ علم النَّفس الاجتماعيِّ؛ من خلال ما يُعرف بتأثير «لوسيفر»، هذا المصطلحُ الذي صاغه البروفيسور فيليب زيمباردو عام 1971م، لا يتحدَّث عن شياطين بالمعنى الغيبيِّ، بل عن عمليَّة التحوُّل التي يمرُّ بها الإنسانُ الصالحُ؛ ليصبحَ أداةً للشرِّ تحت ضغط ظروف بيئيَّة، أو نظاميَّةٍ معيَّنة.

يعتمد تأثير لوسيفر على فكرة أنَّ التفاحة الفاسدة ليست هي المشكلة دائمًا، بل أحيانًا يكون البرميلُ؛ البيئة أو النِّظام هو الفاسدُ، حيث وجد زيمباردو في سجن ستانفورد الشَّهيرة، أنَّ طلابًا جامعيِّين أسوياءَ نفسيًّا، تحوَّلُوا في غضون أيَّام قليلة إلى سجَّانِينَ ساديِّينَ أو سجناءَ محطَّمِينَ، فقط؛ لأنَّهم وُضعوا في سياق يمنحهم سلطةً مطلقةً؛ أو يسلبهم هويتَّهم الشخصيَّة.

ووجد أنَّ العاملَ الأوَّل في هذا التأثير هو تجريد الإنسان من إنسانيَّته، عندما نتوقَّف عن رُؤية الآخرِينَ كبشرٍ لديهم أسماء وعائلات، ونبدأ في رؤيتهم كأرقامٍ أو أعداء أو أدواتٍ، يسهل علينا ممارسة العُنف ضدَّهم دون شعورٍ بالذَّنب، أمَّا العاملُ الثَّاني فهو توزيع المسؤوليَّة، ففي الأنظمة البيروقراطيَّة، يشعر الفردُ أنَّه مجرَّد ترس في آلةٍ، وأنَّ المسؤوليَّة تقعُ على عاتق النِّظام، لا على عاتقه هو شخصيًّا، حيث يرتكب الموظَّفُ العاديُّ أبشعَ الجرائم الوظيفيَّة ببرود تامٍّ، معتقدًا أنَّ المسؤوليَّة تقع على عاتق النِّظام أو الرَّئيس.

إن تأثير لوسيفر يفسِّر الكثير من الانتهاكات المؤسسيَّة، إنَّه يحذِّرنا من أنَّ الأخلاق ليست ثابتةً صلبةً كما نتخيَّل، بل هي نسيج قد يتمزَّق إذا ما تعرَّض لضغط بيئيٍّ كافٍ، الصدمة هنا ليست في وجود أشرار، بل في قدرة النِّظام على إخراج أسوأ ما في البشرِ الأسوياءِ، فحين يغيب الرَّقيبُ، وتُمنح السلطة بلا محاسبة، وتُبارك البيئةُ السلوكَ العدوانيَّ تحت مسمَّيات الكفاءة أو الحفاظ على النِّظام، يتحوَّل الإنسانُ البسيطُ إلى وحش كاسر.

إنَّ مواجهة تأثير الشيطان ليست بالأمر الهيِّن، وتتطلَّب وعيًا يقظًا بالذَّات؛ وقوة في المقاومة الأخلاقيَّة، ويجب أنْ ندرك أنَّ الأخلاق ليست صفة ثابتة نملكها للأبد، بل هي ممارسة يومية وقرار يتجدد مع كل موقف، كما يجب أن ندرك أن البطولة ليست فقط في فعل الخير، بل في القدرة على قول (لا)، عندما يحتاج الأمر ذلك، وفي اللَّحظات الحرجة.

إنَّ تأثير لوسيفر دعوة لإصلاح البراميل التي نعيش فيها، بدلًا من الاكتفاء بمعاقبة التُّفاحَات، وهذا يعني أيَّ إصلاح للوائح، والأنظمة الإداريَّة، والثقافات المجتمعيَّة التي قد تُغري المرء بالشرِّ، فالإنسان كائنٌ اجتماعيٌّ بطبعه، ويميلُ بالفطرةِ للانصياع لمعايير المجموعة التي ينتمي إليها لتجنُّب النَّبذ، وفي تأثير الشيطان، يخشى الفرد أنْ يكون هو الشَّخص الوحيد الصالح وسط منظومة فاسدة، فيختار الصمت، أو المشاركة السلبيَّة؛ ليضمن بقاءَهُ داخل الجماعة، هذا الصَّمتُ الجماعيُّ هو الوقود الحقيقيُّ لتمادي الأنظمة المؤسسيَّة في غيِّها.

(الفسادُ يهبطُ من أعلَى إلى أدنَى، والإصلاحُ يصعدُ مِن أدنَى إِلى أعلَى).

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store