على مدى عقودٍ أربعةٍ، صُبغت سماءُ المنطقة بضجيجِ الشِّعارات التي اتَّخذت من «الموتِ» لأطرافٍ بعيدةٍ عنوانًا لها، ورسمت في المخيِّلة الجمعيَّة صورةً لقلعةٍ حصينةٍ لا تُخترَق، وسيادةٍ دونها المُهج والأروَاح. إلَّا أنَّ رياحَ الواقعِ العاتية كشفت مؤخَّرًا عن مشهدٍ مغايرٍ تمامًا؛ حيث استُبيحت تلك السِّيادة في وضح النَّهار، وتوالت الضَّرباتُ التي لم تكتفِ بالنَّيل من الأهداف العسكريَّة، بل طالت الرُّموزَ، والقادةَ في عقر دارِهم، تاركةً وراءَها تساؤلاتٍ حارقةً حول جدوى تلك الترسانة، ومآلات ذلك الوعيد.
إنَّ المتأمِّلَ في المشهد يجدُ نفسه أمام مفارقةٍ تثيرُ الحيرة؛ فبينما كان العالمُ يترقَّب ردًّا يوازي حجم الإهانة السياديَّة، ويُشفِي غليل الخطابات الرنَّانة، إذا ببوصلةِ الفعلِ العسكري تنحرفُ بصورة مفاجئة. فبدلًا من توجيه الإمكانات نحو مَن استباح الأرضَ والعرضَ، رأينا محاولاتٍ لاستعراض القوَّة في الاتجاه الخاطئ، حيثُ وُجِّهت الرسائل المشفَّرة بالصَّواريخ والمُسيَّرات نحو الجوار الخليجيِّ، بالقفز فوق المنطق العسكريِّ والسياسيِّ السَّليم.
لا يمكن قراءة هذا السُّلوك بمعزلٍ عن الرَّواسب التاريخيَّة التي تبدو وكأنَّها تحرِّك العقل الباطن لصانع القرار. فثمَّة انطباع يترسَّخ بأنَّ «عقدة القادسيَّة» لم تغادر الوجدانَ الفارسيَّ بعد؛ إذ يبدُو أنَّ الحقدَ التاريخيَّ يستيقظ كلَّما ضاقت بالدَّولة سُبل الرَّد على الأعداء الحقيقيِّين، فيرتد البأسُ نحو «العربِ» كفعلٍ تعويضيٍّ عن انكسارٍ أمام خصمٍ أكثر سطوة. إنَّ استهدافَ الجار الذي يشاركُكَ الدِّين والجغرافيَا، في لحظةٍ يُفترَض فيها التَّكاتف، أو على الأقل تحييد الصِّراعات البينيَّة، يعكس أزمةً عميقةً في ترتيب الأولويَّات الأخلاقيَّة والسياسيَّة.
لقد بات واضحًا، أنَّ شعارات «الموت لإسرائيل وأمريكا»، لم تكن في كثيرٍ من الأحيان سِوَى غطاء أيديولوجيٍّ للتمدُّد الإقليميِّ، وتصدير الثَّورة، والمُتاجرة باسم الدِّين، والقضايا العادلة. وحين وُضع هذا النَّهج على محكِّ الاختبار الحقيقيِّ، تلاشت الصَّرخات، وحلَّ محلَّهَا حذرٌ مُفرطٌ، وانبطاحٌ أمام القويِّ، وبطشٌ غير مبرَّرٍ تجاهَ الأشقاءِ.
إنَّ القوَّة التي لا تحمي كرامة صاحبها أمامَ المعتدِي، وتتحوَّل إلى سوطٍ يجلدُ ظهورَ الجيران، هي قوَّة فاقدة للشرعيَّة الأخلاقيَّة، والمنطق الإستراتيجيِّ. ويبقى الرِّهانُ اليوم على وعي الشُّعوب بأنَّ الشعارات مهما بلغت من البلاغة، لا يمكنُهَا أنْ تحجبَ شمسَ الحقيقة، أو تداوي جراح السِّيادة المُنتهكة.


