الفشلُ، وصمةُ العار التي أهدرت أرواحًا بريئةً، لم تكن تدرك كلَّ تلك المعاني العميقة الكامنة في هذا المفهوم، حتى أنَّنا كنَّا نُردِّد عبارة: «الفشلُ هُو الطَّريقُ إلى النَّجاحِ»، كعبارة تراثيَّة تحفيزيَّة للذَّات وللآخرِينَ، وكأنَّها محاولةٌ للتَّخفيف عن كاهل مَن وقع في براثن هذا الفكِّ المفترس، الذي يفترسُ الموهبة والطُّموح، وربما يلتهمُ مستقبلًا بأكمله. ذلك لأنَّ صورته قاتمةٌ، وسيئةُ السُّمعة على مدى أعمارِنَا ومسيرتِنَا الحياتيَّة، التي كانت تخشى تلك اللَّحظة المفترسة «الفشل».
عندما أهدانِي الطبيبُ الدكتورُ أحمد حسن الخضير كتابه الفلسفيَّ بعنوان: «الفشل.. مرآة الإنسانيَّة»، أدهشني العنوانُ بالخطِّ الأصفر العريض، رغم قتامة المعنى، أو قتامة كلمة «الفشل»، إلَّا أنَّ الغلافَ اكتسى باللَّون البنفسجيِّ، بينما كُتِبَت العبارةُ الفرعيَّة «مرآة الإنسانيَّة» باللَّون الأبيض النَّاصع. غلاف الكتاب يُمثِّل العتبة الأُولَى لدخول القارئ إلى النصِّ، فالغلافُ بنفسجيٌّ، وكلمة «الفشل» باللَّون الأصفرِ، وهناك ضوءُ مصباحٍ يمتزج فيه اللَّون الأبيض بالأصفر في شكل شعاع يتوسَّط الكتاب. رغم أنَّني لا أفهمُ فلسفة الألوان، أدركتُ أنَّ «الفشل» ليس مرعبًا، ولا يمثِّل نهاية المحاولة، أو التوقُّف عن تكرار الفعل بعزيمةٍ وثباتٍ، بل هو تجربة تمهِّد للنَّجاح.
الدكتور الخضير يُعرِّف الكتابَ بأنَّه: «رحلة في علم النَّفس الوجوديِّ؛ للتحرُّر من وَهَم الكَمَال». نحنُ نعلمُ أنَّ الكمالَ للهِ وحده، فالإنسانُ ليس معصومًا من المرورِ ببوابة الفشل في أيِّ مرحلة من حياته، لكن مَن يصل إلى النَّجاح -غالبًا- ما يتجاهلُ المراحلَ الأوَّلية التي أوصلته إلى القمَّة. ولهذا أكَّد أديسون مخترعُ المصباح أنَّ الفشلَ خطوةٌ معرفيَّة، فقال: «لم أفشلْ، بل اكتشفتُ عشرةَ آلافِ طريقةٍ لا تعملُ».
الإهداء: «إلى الوجوهِ التي تزيِّنُها أوسمة النَّجاح، وتضيءُ بشجاعة الاعتراف بأنَّ السقوطَ هو بدايةُ التَّحليقِ».
في مقدِّمة الكتاب يطرحُ الخضير هذا السؤال: «ماذا لو كنَّا نخطئُ في تعريف الفشلِ منذ البداية؟». هذا الخطأُ الفادحُ في تعريف هذه العبارة المُرعبة، هو الذي أنهَى مستقبل أجيالٍ؛ لأنَّ مَن حولهم أخطأَ في تعريف «الفشل». هذه الرُّؤية العميقة للكلمة ربَّما دمَّرت كثيرِينَ ممَّن أُحيطُوا بأُناسٍ حطَّمُوا طموحَهم ونبوغَهم؛ لأنَّهم ردَّدوا على مسامعهم كلمة: «فاشل» بمعناها السلبيِّ، المُحبط والمُحطِّم لقدراتِهم وأحلامِهم.
يقول الخضير في تعريفه للكتاب: «هذا الكتابُ رحلةٌ إلى قلبِ الظلِّ الذي نخشاهُ، حيث تتحوَّل الهزيمةُ إلى لغةٍ تحدِّثنا عن أسرارِ وجودِنَا. الفشلُ هنا ليسَ عدوًّا يُهزَم، بل مرشدٌ يقظٌ يعيدُنَا إلى ذواتِنَا كلَّما ضعنَا في ضوضاءِ النَّجاح. ونكتشفُ كيف تخبِّئ العثراتِ دروسًا لا تعلمُها القممُ. لأنَّ الإنسانَ، في النهاية، ليسَ قصيدةً تكتب نفسَها بين السُّقوط والنُّهوض».
ويضيف: «الفشلُ ليس غياب النَّجاح، بل هو الانزياحُ الذي يجبرنا على إعادة تعريف كلِّ مَا نظنُّ أنَّنا نعرفه، مثل النَّهر الذي يغيِّر مساره كلَّما اصطدم بصخرةٍ».
ألمْ يُعلِّمنا التاريخُ أنَّ أعظمَ الاختراعات وُلِدَت من رَحِم المحاولاتِ الفاشلةِ؟، تلك المصابيحُ التي انفجرت في وجه أديسون مئات المرَّات قبل أنْ تضيءَ العالم، لم تكن فشلًا، بل كانت خطوةً طويلةً في رقصة مع المجهول. (د. الخضير).
الصيغة الأدبيَّة المنسابة بين السُّطور متدفِّقة في سَلاسة وجَمَال، أضفت على الكتاب سهولةَ القراءةِ، فلم يستخدم اللغة الفلسفية العميقة، أو الأسلوب العلمي الجاف، وهذا ما شدَّني للكتاب من أوَّل صفحة.
الكتاب (190 صفحةً) من القطع المتوسط، يتكوَّن من ستة فصول، وخاتمة. الباب الأوَّل «جذور السُّقوط وحكايات النُّهوض»، يتناول تربية الأجيال، ويشدِّد على أنَّ بناء المستقبل لا يخشَى الفشل، بل يحتفِي به كفرصةٍ للنموِّ، يتطلَّب تحوُّل دور المؤسَّسات التعليميَّة والأُسرة من التَّركيز المُفرط على تحقيق النَّجاح المثالي، وتجنُّب الأخطاء، إلى خلق بيئاتٍ آمنةٍ وداعمةٍ تكرِّس تجربة الاكتشاف والمخاطرة المحسوبة.
الحقيقة، لا يمكن اختصارُ كتابٍ في مقالة، فقد اقتطعتُ بعضَ الفقرات بصعوبةٍ؛ لأنَّ كلَّ الكتاب يستحقُّ العرضَ والقراءة. شكرًا دكتور أحمد الخضير على هذا الإهداءِ القَيِّم، فكمَا يقولُون: (خيرُ الهدايَا الكُتبُ).


