Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أحمد أسعد خليل

النبوءة الذاتية

A A
من أساطير الميثولوجيا اليونانيَّة القديمة، نحتَ الفنَّانُ بيجماليون تمثالًا لامرأةٍ من العاج ببراعةٍ فائقةٍ؛ لدرجة أنَّه وقعَ في حبِّه، وتمنَّى من آلهته أنْ تنفخ فيه الرُّوح، فاستجابت له، وتحوَّل العاجُ الجامدُ إلى جسدٍ نابضٍ بالحياة، هذه الأسطورة لم تكن مجرَّد خيال شاعريٍّ، بل أصبحت في القرن العشرين حجر زاوية في علم النَّفس الاجتماعيِّ، تحت مُسمَّى «تأثير بيجماليون، أو ما يُعرَف بالنبوءة ذاتيَّة التحقُّق، وإنَّها القوَّة الخفيَّة التي تجعل توقُّعاتنا تجاه الآخرين -أو توقُّعاتهم تجاهنا- قادرة على تشكيل واقعهم الفعليِّ.

كيف تعمل عجلة التوقُّعات؟..

بدأت القصَّة العلميَّة لهذا التأثير في الستينيَّات مع دراسة أجراها البروفيسور روبرت روزنتال في إحدى المدارس، حين أخبر المعلِّمِين بأنَّ مجموعة من الطلاب -تم اختيارهم عشوائيًّا تمامًا- لديهم قدرات ذكاء خارقة، وسيتفوَّقون بشكل مذهل. في نهاية العام، حدثت المفاجأة، أنَّ هؤلاء الطلاب تحديدًا حقَّقوا طفرةً حقيقيَّةً في تحصيلهم العلميِّ، والتفسير لم يكن في ذكاء الطلاب، بل في سلوك المعلِّمِين، فحين آمنَ المعلِّمُون بموهبة هؤلاء الطُّلاب، منحوهم اهتمامًا أكبر، وصبرًا أطول، وتحدِّيات أكثر تعقيدًا، ممَّا دفع الطلاب لرفع سقف طموحهم، والعمل بجديَّة أكبر، فكانت النتيجة هي التفوُّق الذي تم التنبؤ به مسبقًا.

إن تأثير بيجماليون يعمل وفق دائرة مغلقة من أربع مراحل: معتقداتنا عن الآخرين تؤثر على أفعالنا تجاههم، وأفعالنا تجاههم تؤثِّر على معتقداتهم عن أنفسهم، ومعتقداتهم عن أنفسهم تُسبِّب أفعالًا تتوافق مع تلك المعتقدات، وأفعالهم تُعزِّز معتقداتنا الأصليَّة عنهم، وتؤكِّد صحَّة توقُّعنا.

أمَّا تأثير بيجماليون في بيئة العمل والقيادة -حيث لا يتوقف هذا التأثير عند أسوار المدارس، بل هو المحرك الأساس في عالم الإدارة والقيادة- يتمثَّل في أنَّ المدير الذي ينظرُ إلى فريقه بوصفِهم مجموعةً من المبدعِينَ والملتزمِينَ، سيجد نفسه عفويًّا يمنحهم مساحةً من الحريَّة والمسؤوليَّة، وهذا الدعم النفسي يرفع من كفاءة الفريق وإنتاجيته. وفي المقابل، تؤدِّي التوقُّعات السلبيَّة والشَّك في قدرات الموظَّف إلى إحباطه؛ ممَّا يجعله يرتكب الأخطاء فعلًا، فيشعر المدير بالرِّضا؛ لأنَّه كان محقًّا في حكمه السلبيِّ، بينما الحقيقة أنَّه هو مَن صنع هذا الفشل بتوقُّعاته.

هل نصبح ما نتوقَّعه؟..

يمتد تأثير بيجماليون ليشمل علاقتنا بأنفسنا، عندما يضع الإنسانُ لنفسه سقفًا منخفضًا، فإنَّه يحرم نفسه من المحاولة، ويخلق قيودًا وهميةً تمنعه من استغلال إمكاناته الكامنة. إنَّ الإيمان الداخلي بالقدرة على الإنجاز ليس مجرَّد تفكيرٍ إيجابيٍّ عابرٍ، بل هو آليَّة لبرمجة السلوك نحو اقتناص الفرص والمثابرة عند الفشل، نحن نصبح، إلى حدٍّ كبيرٍ، ما نؤمن أنَّنا قادرُون على أنْ نكونه.

نفخ الرُّوح في الطُّموح..

إنَّ تأثير بيجماليون هو دعوة لكل قائد، أب، معلِّم، وصديق، لإعادة النَّظر في عدسات رؤيتهم للآخرِين، نحن لا نعي في كثيرٍ من الأحيان أنَّنا نصنعُ النَّاس بصمتٍ عبر توقُّعاتنا منهم، إنَّ الكلمة الطَّيبة، والرِّهان على نجاح شخصٍ ما، والثقة الصادقة في قدراته، ليست مجرَّد مجاملات، بل هي قوَّة نحت حقيقيَّة، تنفخ الرُّوح في الطُّموحات الكامنة، والنجاح بالتوقُّع الحَسَن.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store