لا تُولد الميليشيا فجأةً، ولا تنمُو صدفةً، ولا تتحوَّل إلى قوَّة موازية للدَّولة، إلَّا حين تتهيَّأ لها البيئة السياسيَّة، التي تسمح لها بأنْ تكبرَ، وتتسلَّح، وتتمدَّد، ثمَّ تتجاوز حدودَها حتَّى تصبحَ شريكًا في القرار، وربما وصيًّا عليه.
الميليشيا ليست مجرَّد بندقيَّة خارج إطار النِّظام، بل هي مشروعُ سلطةٍ بديلةٍ. تبدأ بحجَّة الحماية، وتستمرُّ بذريعةِ (المقاولة)، وتنتهي باعتبار نفسها مرجعيَّةً أعلى من الدَّولة نفسها. وفي هذه اللَّحظة تحديدًا، لا نكون أمام خللٍ أمنيٍّ، بل أمام تحوُّلٍ خطيرٍ في بنية الدَّولة الوطنيَّة.
إنَّ أخطر ما يواجه الدُّول التي تعاني من ظاهرة «الدَّولة داخل الدَّولة» ليس قوَّة الميليشيا، بل ضعف الدَّولة أمامها. فالميليشيا لا تصبحُ قويَّةً بذاتها، بل بقوَّة الصَّمت الرسميِّ عنها، وبقوَّة التبرير السياسيِّ لوجودها، وبقوَّة الخوف من مواجهتها.
في جمهوريَّات الموز العربيَّة، لم تعد الميليشيات الطائفيَّة مجرَّد جماعات مسلَّحة تعمل خارج النِّظام؛ بل تحوَّلت إلى كياناتٍ تمتلكُ اقتصادها الخاص، وإعلامها الخاص، وخطابها السياسي الخاص، وولاءاتها العابرة للحدود. ومع مرور الوقت، أصبح من الصَّعب التَّمييز بين ما هو قرار وطني، وما هو قرار مفروض بقوَّة السِّلاح.
وهنا تبدأ أخطرُ مراحل الانحدار: حين تفقد الدَّولة قدرتها على تعريف نفسها، وتعجز عن الوفاء بمسؤوليَّتها أمام شعبها.
الدَّولة الحقيقيَّة لا تسمحُ بوجود جيشَين، ولا بسيادتَين، ولا بمرجعيَّتَين. لكن حين يصبحُ السَّلاحُ متعدِّدًا، والقرارُ مسلوبًا، والولاءُ طائفيًّا تتحوَّل الدَّولة إلى مساحة نفوذ تتقاسمها القوى المسلَّحة، بدل أنْ تكون كيانًا واحدًا يحكم الجميع.
والأخطر من ذلك، أنَّ بعض الحكومات المُختطَفَة تتعامل مع هذا الواقع بوصفه «توازنًا ضروريًّا»، بينما هو في الحقيقة اختلالٌ قاتلٌ؛ لأنَّ التوازن بين الدَّولة والميليشيا ليس توازنًا سياسيًّا، بل إعلان غير مباشر عن فقدان الدَّولة لاحتكار القوَّة، وتتحوَّل إلى مجرَّد ستائرَ مهترئةٍ تُخفي خلفهَا مخالب تديرها أصابعُ من وراء الحدود.
الميليشيا لا تبحثُ عن المشاركة في الدَّولة؛ بل تبحث عن إعادة تعريفها وفق ما يراه المموِّلُ الخارجيُّ. إنَّها لا تريدُ أنْ تكون جزءًا من النِّظام، بل تريد أنْ تكون سقفَهُ. لا تريد أنْ تعمل تحت القانون، بل تريد أنْ تصبحَ هي القانون. وهنا تتحوَّل السياسة من إدارة مصالح وطنيَّة إلى إدارة تفاهمات مع السِّلاح.
ومن أخطر نتائج هذا التحوُّل، أنَّ المواطن يفقد ثقته بالدَّولة تدريجيًّا. فحين يرى أنَّ القانون لا يُطبَّق على الجميع، وأنَّ السِّلاح لا يخضع للجميع، وأنَّ القرار لا يصدرُ عن الجميع، يبدأ الشعور الوطنيُّ بالتآكل، ويحلُّ مكانه شعورُ الانتماء إلى الجماعة، بدل الانتماء إلى الوطن. وعندما يفقد المواطنُ ثقته بالدَّولة، تبدأ الدولة بفقدان نفسها.
الميليشيات لا تنمُو فقط في الفراغ الأمنيِّ، بل تنمُو في الفراغ السياسيِّ أيضًا. تنمُو حين تغيبُ العدالةُ، وحين تتراجعُ المؤسَّساتُ، وحين يصبحُ القرارُ الوطنيُّ قابلًا للمساومةِ. لكنَّها لا تتحوَّل إلى قوَّة حاكمة إلَّا حين تتخلَّى الدولة طوعًا أو اضطرارًا عن جزءٍ من سيادتها.
إنَّ أخطر ما في ظاهرة «الدولة داخل الدولة» أنَّها لا تُسقط الدَّولة دفعةً واحدةً، بل تستنزفها ببطءٍ. تبدأ بمشاركة محدودة، ثمَّ تتحوَّل إلى شراكة مفروضة، ثمَّ تنتهي بسيطرةٍ غير معلنة.
وهنا تصبح الحكومةُ موجودةً... لكنَّ القرارَ ليس بيدها. وتبقى المؤسساتُ قائمةً... لكنَّ تأثيرها محدودٌ. ويبقى العلمُ مرفوعًا... لكنَّ السيادة منقوصة.


