Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
حليمة مظفر

التحول السعودي العميق الذي واجه التحديات الجيوسياسية

A A
ربَّما يعجزُ بعضُهم ممَّن هُم خارج السعوديَّة، عن توقُّع ما نعيشه اليوم من تطوُّرٍ، وازدهارٍ، وجودةِ حياةٍ راقيةٍ، وخدماتٍ حكوميَّةٍ تسابقُ الزَّمن تقنيًّا، فمثلًا، الخميس الماضي حجزتُ تذكرتِي من بيتِي في أقلِّ من دقيقة، وتنزَّهتُ بطمأنينةٍ وسعادةٍ في حديقة (بولفارد الزهور) بالرِّياض، إنَّها تجربةٌ مميَّزةٌ تعيشها بين الفنِّ والطَّبيعة الخلَّابة، ضمَّت في جنباتها 200 مليون زهرةٍ ووردةٍ في قلب صحرائِنَا المباركة، وتأتي في ظلِّ الأوضاع المضطربة الرَّاهنة التي تعيشها دولُ المنطقة حولنا، هكذا ببساطة صنعت الرُّؤية السعوديَّة حياتنا اليوم، وجعلت ما كان مستحيلًا، واقعًا مُعاشًا، ومكَّنت من تحقيق إنجازاتٍ سعوديَّةٍ فريدةٍ وعظيمةٍ أثرَت حياتنَا.

لقد مرَّت عشرُ سنواتٍ ضوئية في متغيِّرتها التحوُّليَّة، عاشها السعوديُّون في المملكة مع رُؤية 2030؛ واختصرت من الانتظار 100 عامٍ وأكثرَ، يُدرك كثيرًا هذا التحوَّل وأهميَّته الإستراتيجيَّة جيلِي، والذين قبلنَا ممَّن عاشُوا مراحلَ المتغيِّرات التقنيَّة السَّريعة، منذُ بدء ثورة الإنترنت، وعولمة العالم في قرية صغيرة، حدودها غير مرئيَّة ومتجاوزة للزَّمن، وأتذكَّرُ جيِّدًا حين أُعلنتْ رُؤية السعوديَّة 2030، التي يقودُها أميرُنا المُلهمُ الأميرُ محمد بن سلمان -حفظه الله- كمشروعٍ وطنيٍّ طَموحٍ يُسابقُ الزَّمن، وهدفه الإستراتيجي الأوَّل إحداثُ تحوُّلٍ شاملٍ في مختلف مجالات الدَّولة الثقافيَّة، والاقتصاديَّة، والفكريَّة، والاجتماعيَّة، والتعليميَّة، والصحيَّة، وأنْ يكون هذا التطويرُ في ظلِّ تقليل الاعتماد على النفط، وهو المصدر الذي تعتمده المملكة في تغذيتها الماليَّة، لقد كان التحدِّي الكبير الذي واجهته الرُّؤية حين انطلقت، وكان الحلمُ لدى الكثيرِين شبه مستحيل، إذ كيف لهذه الدَّولة التي جُلُّ أرضِها صحراء وجبال وعرة، يمكن أنْ تعتمدَ على شيءٍ آخرَ في دخلِها الاقتصاديِّ غير النفط!! وكانَ هؤلاءُ ممَّن لم يتجاوزا التَّفكير النمطيَّ يجهلُونَ على ماذا تتكئُ المملكةُ من كنوزٍ غير النفط، عطَّلها الكثيرُ من المخاوف الاجتماعيَّة والفكريَّة والثقافيَّة التي تسبَّبت فيها أوهامُ مَا سُمِّي بـ(الصَّحوة) التي ارتدت التطرُّف الفكريَّ المتُاجر بالدِّين، وكان مسيطرًا -آنذاك- على الكثير من العقولِ قبل الرُّؤية السعوديَّة، لأهداف ملوَّثة بالخَراب. وللأسف تعيشُه اليوم بعضُ الدُّول مِن حولِنَا.

إنَّنا لا ننسى كلمة قائد الرُّؤية قدوتنا الأمير محمد بن سلمان، حين قال في أكتوبر 2017م: (نحنُ نعودُ لِمَا كُنَّا عَليهِ، إِلَى الإسلامِ الوسطيِّ المعتدلِ المنفتحِ علَى جميعِ العالمِ وجميعِ الأديانِ والشعوبِ، وبكلِّ صراحةٍ لنْ نضيِّعَ ثلاثِينَ سنةً من حياتِنَا في التَّعامل مع أيِّ أفكارٍ متطرِّفةٍ، سوف ندمِّرهُم اليوم وفورًا، نريدُ أنْ نعيشَ حياةً طبيعيَّةً تترجمُ دينَنا السَّمح، وعاداتِنَا وتقاليدنَا الطَّيبة)، وبهذهِ الرُّؤية الواضحة العميقة فكريًّا في بناء المستقبل، تمكنت المملكة اليوم، وبعد مرور عشر سنوات فقط، من أنْ تقف على أرض صلبة متينة، تواجه التحديات الجيوسياسية الراهنة والمضطربة اقتصاديًّا، بما أنجزته خلالها من إنجازات لافتة، متجاوزة الكثيرِين، وكان زادها الشَّغف السعودي، وما يزال لدينا منه لمزيد من التَّطوير والإبداع.

إنَّنا اليوم نعيشُ تحوُّلًا في جذور الاقتصاد السعوديِّ، مكَّن من تنوُّع الدَّخل للدَّولة بمصادر حيويَّة، استثمرت فيها كنوزنا السعوديَّة التي كشفت عنها الرُّؤية؛ ممَّا نتج عنه زيادة مساهمة القطاعات غير النفطيَّة في الناتج المحليِّ، مثل السِّياحة، والتَّرفيه، والثَّقافة، والتَّقنية، والخدمات اللوجستيَّة، فمَن يصدِّق اليوم -مثلًا- أنَّنا بتنَا وجهةً سياحيَّةً عالميَّةً رائدةً، زارها حتَّى 2024م أكثر من 116 مليونَ زائرٍ؟ فيما الاستثمارُ الثقافيُّ والترفيهيُّ الهائلُ جعل من المملكة وجهةً ترفيهيَّةً وثقافيَّةً جاذبةً نلمسه يوميًّا في حياتنا، حيث ارتفاع مستوى جودة الحياة، وليس ذلك فقط، بل ارتقى بالوعيِ المجتمعيِّ فكريًّا وإنسانيًّا معه، فيما أسهمَ الاستثمارُ في القطاعات غير النفطيَّة بفاعليَّةٍ في خَلْق فرصِ عملٍ جديدةٍ، وجذب الاستثمارات الأجنبيَّة، وكان لبرامج «صندوق الاستثمارات العامَّة» دورٌ محوريٌّ في دعم المشروعات العملاقة، والمدن الاقتصاديَّة والذكيَّة، وتعزيز حضور المملكة العالمي.

والأعظم في كلِّ ذلك استثمار الرُّؤية في الإنسان السعوديِّ، فهو الثروة العظيمة في أرضنا العميقة تاريخيًّا، حيث تمكين المبدعين والشَّباب، وبلا شك المرأة، الملف الصَّعب الذي شكَّل أولويَّةً لدى القيادة السعوديَّة، ففتحت الفرص أمامها بفاعليَّةٍ في سوق العمل مع شريكها الرَّجل، وكانت النتائجُ مذهلةً، ليس على الأرض فقط، بل وصلت معه إلى الفضاءِ جنبًا إلى جنبٍ مع زميلِهَا.

لقد نجحتِ المملكةُ بقيادةِ مُلهمِنَا محمد بن سلمان في تجاوزِ سنواتٍ ضوئيَّة خلال عشر سنواتٍ فقط، جعلت المملكةَ أنموذجًا مُلهِمًا عالميًّا، ورائدًا في إدارة التَّخطيط والتَّغيير الإستراتيجيِّ، وما كان بالأمس مستحيلًا، أصبح واقعًا معاشًا مكَّن من مجتمعٍ حيويٍّ أصيلٍ في قيمهِ التاريخيَّة، ثري ثقافيًّا، متعايش إنسانيًّا، متنوِّع اقتصاديًّا، آمن ومزدهر وطموح، والمسيرةُ مستمرَّةٌ -بإذن الله- خلفَ قائدِ الرُّؤية محمد بن سلمان بهمَّةِ طويق؛ للوصول إلى عَنَان السَّماءِ رغمًا عن كلِّ التحدِّيات.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store