بينما تحدَّثنا في الأسبوع الماضي عن تأثير بيجماليون، وعن قوَّة التفاؤل في صناعة النَّجاح، يبرز في المقابل مصطلح أكثر قتامةً وخطورةً يُعرف بتأثير جوليم السلبيِّ، وأستُمد هذا الاسم من الأساطير القديمة، عن كائن الجوليم الطينيِّ الذي صُنع لخدمة البشر، ولكنَّه تحوَّل في النهاية إلى قوَّة تدميريَّة خرجت عن السَّيطرة، وفي علم النَّفس الإداريِّ والاجتماعيِّ، يمثِّل تأثير جوليم ظاهرةَ النبوءة ذاتيَّة التَّحقُّق في شقِّها السلبيِّ، حيث تؤدِّي التوقُّعات المتدنِّية من قِبل الرُّؤساء أو المُربِّين إلى انخفاض حقيقيٍّ وملموسٍ في أداء الأفراد؛ ممَّا يخلق حلقةً مفرغةً من الفشل المستمر.
كيف ينسج الإحباط خيوطه؟
تعتمد آلية تأثير جوليم على سيكولوجية التفاعل البشري، فعندما يعتقد مدير أو معلم أن فردًا ما غير كفء، أو محدود القدرات، فإنه يبدأ لا شعوريًّا في تغيير طريقة تعامله معه، ويتجلَّى ذلك في تقليل الدَّعم النفسيِّ، وحجب المعلومات الهامَّة، وإسناد المهام الروتينيَّة والمملَّة فقط إليه، والتوقُّف عن تقديم التَّغذية الرَّاجعة البنَّاءة، وهذا السلوكُ الإقصائيُّ يرسلُ رسالةً ضمنيَّةً للفرد مفادها، أنَا لَا أثقُ بِكَ، ولَا أتوقَّعُ مِنكَ شيئًا.
وهنا تبدأ الكارثةُ الحقيقيَّة، حيث يستجيبُ الفردُ لهذا المناخ السلبيِّ بفقدان الثِّقة في نفسه، وتراجع دافعيَّته للعمل، والشعور بالاغتراب داخل المنظومة، وبمرور الوقت، يبدأ أداؤه في التَّدهور فعليًّا؛ ليتناسب مع الصورة الهزيلة التي رُسمت له، فيقول المديرُ لنفسه بزهوٍ: لقدْ كنتُ مُحِقًّا منذ البداية، هذا الشَّخص فاشلٌ، بينما الحقيقة الصَّادمة هي أنَّ توقُّعات المدير السلبيَّة هي التي صنعت هذا الفشل، ووفَّرت له البيئة الخصبة للنموِّ.
هذا التأثير هو مقبرةُ المواهب في بيئة الأعمال، إذ يُعدُّ تأثير جوليم أحد أكبر أسباب هدر الكفاءات البشريَّة، هنا القادة الذين يمارسُون الإدارة المجهريَّة بدافع الشَّك في قدرات موظَّفِيهم، يقتلُون رُوحَ المبادرة لديهم، وإنَّ التركيز الدَّائم على نقاط الضعف، والبحث عن العثرات، ووسم الموظَّفين بالكسلِ، أو ضعفِ التَّركيز، يُحوِّل المنظَّمات إلى مصنعٍ للإحباط، هذا التأثير لا يكتفي بتدمير الفرد، بل يمتدُّ ليُسمِّم ثقافة الفريق بالكامل، حيث يسود الخوفُ من الخطأ، بدلًا من الرَّغبة في الابتكار، وتتحوَّل بيئة العمل إلى جدران باردة تفتقر لروح التحدِّي.
أمَّا عن الآثار النفسيَّة والاجتماعيَّة الممتدَّة بعيدًا عن المكاتب، يمتد تأثير جوليم إلى قاعات الدِّراسة والبيوت، فالطفل الذي يسمع تكرارًا أنَّه غبيٌّ أو فاشلٌ دراسيًّا، سيتوقَّف عن المحاولة؛ لأنَّ طاقته النفسيَّة ستُستنفَد في محاولة التكيُّف مع هذا الوَصم، بدلًا من الدِّراسة. واجتماعيًّا، عندما يتمُّ تصنيف فئة معيَّنة بأنَّها عنيفةٌ، أو غيرُ منتجةٍ، فإنَّ المجتمع يمارس عليها تأثير جوليم؛ ممَّا يدفع أفراد هذه الفئة لتبنِّي هذه السلوكيَّات كنوعٍ من الاستجابة القدريَّة لنظرة الآخرِينَ، وهو ما يُفسِّر تزايد معدَّلات الجريمة، أو الانعزال في أحياء معيَّنة خضعت لهذا التَّنميط السلبيِّ.
لمواجهة هذا التأثير، لا بُدَّ من يقظة قيادة المنظَّمة، حيث إنَّ كسر تأثير جوليم يتطلَّب ما هو أكثر من مجرَّد التَّفكير الإيجابيِّ، بل إنَّه يتطلَّب شجاعةً أخلاقيَّةً في إعادة تقييم أحكامنا المُسبقة، وعلى القادة والمُربِّين أنْ يُدركُوا أنَّ كلَّ إنسان يمتلك منطقة نموٍّ كامنة، وأنَّ دورهم هو استكشاف هذه المنطقة، بدلًا من ردمها بالانتقادات.
والحلُّ يبدأ بالوعي بالانحيازات، والاعتراف بأنَّنا قد نكون غير عادلين في أحكامنا الأوَّلية، ووضع معايير أداء موضوعيَّة بدلًا من الاعتماد على الانطباعاتِ الشخصيَّة المتقلِّبة، وثقافة الفرصة الثانية، وإعطاء مساحة للخطأ والتعلُّم، والتَّركيز على ما يمكن تحقيقه، بدلًا ممَّا تم إخفاقه.
(ارفعْ سقفَ توقُّعاتِكَ مِن النَّاس، لِيرتفعُوا هُم إلَى مستوَاهَا).


